فهرس الكتاب

الصفحة 994 من 2255

تناقض العلمانيون في كل أفكارهم وعقائدهم ، ولم يتفقوا حتى على حقيقة فكرية واحدة سواء كانت عقائدية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ، وهذا ينطبق على القضايا الكبرى كوجود الله سبحانه وتعالى ، فبعضهم يؤمن بوجوده وبعضهم ينفيه وبعضهم يقول لا أدري ، وهم أيضًا يختلفون حول الأصول والفرعيات الاجتماعية والسياسية ، ولنأخذ قضية الحرية كمثال على تناقض العلمانيين ، ولنأخذ الرأسماليين والشيوعيين كطرفين علمانيين، وسنجد أن بينهما تناقضات جذرية فكانوا في روسيا الشيوعية العلمانية يحددون للإنسان ما هو العمل المناسب له ؟ وفي أي مدينة وأين يسكن ؟ وماذا يقرأ ؟ ويعتبرون هذا لا يتعارض مع الحرية ، بل هذه هي الحرية الصحيحة ، أما في أمريكا فقد فتحوا الباب على مصراعيه ، فمن الحرية أن تقول أشياء كثيرة منها نقد الحكومة والسخرية منها ، ومن حقك أن تختار عملك وسكنك وماذا تقرأ ، ومن الحرية أن تمارس الجنس قبل الزواج ، أما بعد الزواج فلا يجوز ولك حرية في أن تعمل في السياسة وأن تنشئ من الأحزاب ما شئت حتى لو كان حزبًا شيوعيًا ، ومن الحرية الشخصية أن تتبرج المرأة ، ويسمح في سواحل معينة بالعري الكامل ، ولا يعتبرون هذا فسادًا بل حرية ، والإنسان عندهم حر في ماله ومن حقه أن يبذره ومن حقه أن يتبرع به كله للحيوانات ، ولك الحرية في لعب القمار ، وأن تستخدم الكلمات البذيئة ما لم يمنعها القانون ، وهناك حرية إصدار الصحف في حين أن هذا من الممنوعات في الشيوعية العلمانية ويمنع تشكيل أي أحزاب ولا يسمح بالانتماء إلا للحزب الشيوعي ، ومثل هذا الاختلاف ينطبق على العدل والمساواة ، قال الأستاذ أديب صعب"وقد استفاض فلاسفة الأخلاق في معالجة مسألة الحرية التي تشكل أحد موضوعاتهم الرئيسة ، وملأوا الصفحات والكتب الكثيرة في هذا المجال، وتوزعوا مدارس حيال هذه المسألة فمنهم من سلم بحرية الإنسان التامة لكي يؤدي ما هو واجبه أو لا يؤديه ، مما يستتبع مسئوليته ومنهم من حد الحرية والمسئولية ببعض الشروط، ومنهم من نفى الحرية والمسئولية نفيا تامًا" (1) ومن هنا ندرك معنى قول من قال"كم من جرائم"

ارتكبت باسم الحرية"أما بالنسبة للعدل فقد قال الدكتور محمد عمارة"ولهذا رأينا"العدل الليبرالي"متميز المضمون مختلف المفهوم عن"العدل الشيوعي"الأمر الذي اقتضى"للعدل الليبرالي"حكومة ليبرالية"و"نظام حكم ليبرالي " يحققان المضمون المتميز"للعدل الليبرالي"، وكان الحال على ذات المنوال مع"العدل الشيوعي"، ثم قال: فمن التمثيل الطبقي إلى التوجه الاجتماعي .. إلى النظام السياسي إلى تحديد الأولياء والأعداء .. إلى الموقف الفلسفي .. والمذهبية الحاكمة للفكر والثقافة والآداب والفنون .. كل أركان النسق والنظام تتمايز تبعًا لتمايز " المرجعية أهي ليبرالية ؟ أم شيوعية" (1) "

فنحن إذن وصلنا إلى نتيجة غريبة وهي أن للحرية معاني كثيرة ومتناقضة وأن للعدل معاني كثيرة ومتناقضة ، وكذلك للمساواة ولحقوق الإنسان ومفاهيم وأساليب العدالة الاجتماعية والحقوق العادلة في الحياة الزوجية ، والأسلوب الصحيح لتربية الأبناء ومعنى السعادة والاستبداد والظلم والمصلحة والخير والشر .. الخ فلابد إذن إن هناك معنى واحد صحيح للحرية أما بقية المعاني فهي كاذبة وخاطئة وباطلة وكذلك بالنسبة للعدل والسعادة والظلم والمصلحة .. نريد الحرية الحقيقية والعدل الحقيقي ولا نريد آراء وظنون وأوهام ، وهنا يظهر التناقض العلماني في هذه المفاهيم وهو دليل على أن العقل العلماني لم يصل إلا إلى السراب والعجز .

المبررات المنطقية:

السبب الرئيس في تناقض الإجابات وضياع العلمانيين أن العقل العلماني قادر على إعطاء مبررات منطقية عقلية لكثير من الإجابات ، فهناك مبررات قدمتها الشيوعية لتعريف الحرية أو العدل أو النظام السياسي الصحيح ، وهناك أيضًا مبررات قدمتها الرأسمالية والاشتراكية والنازية لإعطاء تعاريف أخرى متناقضة كليًا أو جزئيًا فالشيوعية تقول إن السماح بالعمل السياسي لكل الأحزاب اليمينية واليسارية سيؤدي إلى سيطرة الأغنياء ، واضطهاد الفقراء وفتح الباب للجدل وهدم الثورة الشيوعية كما أنه لا توجد مبررات لهذه الأمور لأن الحزب الشيوعي يمثل الأغلبية الساحقة ، وسيسعى لمصالحها وإن فتح الباب ليست حرية بل فوضى سياسية

وفساد يجب أن يحارب ، أما الرأسمالية فهي أيضًا لها مبرراتها ولها تفسيراتها التي تقدمها لمعنى الحرية أو العدل الذي اختارته ، فهي تقول إن الحرية هي ذات ضوابط قانونية ، وأن الحرية الشخصية تنتهي عند حدود حرية الآخرين ، وأن وجود تنوع سياسي في الأحزاب لن يؤدي إلى فوضى ، بل سيؤدي إلى تنافس في العمل وتقوية الرقابة ، وأن القرار الشعبي هو الأساس وأن حرص السياسيين على مصالحهم سيجعلهم يهتمون بمصلحة الشعب لأنه قادر على عزلهم ، أما إذا قلت لهم ، أن الزنا له، سلبيات كبيرة قالوا هذه حرية شخصية ، ولا أحد يجبر أحدًا على الزنا ومن يريد أن يتزوج فليفعل، أما بالنسبة للحمل والأبناء غير الشرعيين فهناك ملاجئ تحتضنهم إذا تنكر لهم أباؤهم وهناك وسائل لمنع الحمل ، كما أن التمتع بالحياة هو هدف أساسي في فكرنا المادي الرأسمالي ، وسنجد هناك مبررات كثيرة لكثير من الآراء العلمانية المتناقضة سواء كانت في الرأسمالية أو الشيوعية أو النازية أو أقوال كثير من الفلاسفة، فهذا الفيلسوف يعطي المصلحة وزنًا كبيرًا جدًا أما الآخر فيهتم بالمبادئ المعنوية، والثالث يركز أكثر على الجنس ويجعله العامل الرئيس المحرك للإنسان ، والرابع يهتم بقضية الحرية الفردية ، والخامس يركز على مصلحة الجماعة والسادس يعطي التبريرات على وجود الله سبحانه وتعالى والسابع ينكر هذا الوجود، والثامن يحاول أن يقنعك بأن الغاية تبرر الوسيلة ، والتاسع أن الأخلاق بدعة برجوازية والعاشر أن الشر هو الصفة السائدة في البشر، والحادي عشر أن الزواج مؤسسة رجعية تضطهد المرأة ، وكل فكرة من هذه القضايا سواء كانت صحيحة فعلًا أو خاطئة لها مبررات منطقية تجعلها تبدو صحيحة قال الأستاذ تقي الدين النبهاني"والأسلوب المنطقي وإن كان أسلوبًا من أساليب الطريقة العقلية ولكنه أسلوب معقد، وأسلوب فيه قابلية الخداع والتضليل ، وقد يوصل إلى عكس الحقائق التي يراد إدراكها" (1)

والطريف أن كل إنسان مثقف بإمكانه أن يكون مفكرًا علمانيًا وفيلسوفًا ، وهذا يحدث في القضايا الفكرية والسياسية وتبرير المواقف والتصرفات وتبرير حتى العقائد الغريبة ، قال الزعيم الهندي غاندي:"عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيوانًا ، لأني أعبد البقرة،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت