"لأن الخلاف الأساسي يكمن في أن أحد الفريقين يستخدم نظرية أو معيارًا معينًا للحقيقة ، في حين يرتكز الآخر على مفهوم مختلف كل الاختلاف"وقال"فإذا قلت"حقيقي"وكان في ذهني معنى معين ، وقلت أنت نفس اللفظ وكان في ذهنك معنى آخر ، لكن في مواصلة الحديث مضيعة للوقت (1) أي إذا كان الميزان الذي في ذهنك لتحديد الحق من الباطل يختلف عن الميزان لدى فرد آخر فلا فائدة حتى من الحوار ، فالعلمانية عجزت عن إيجاد الميزان الصحيح، ومعنى هذا الكلام إن كان معيار تقييمك للرجال أن الأفضلية هي للأصدق والأكرم في حين أن فردًا آخر عنده الأفضلية، هي للأغنى والأجمل فإن اختلافكم هنا هو في المعيار ، وبالتالي لن تتفقا على ترتيب عشرة رجال حسب الأفضلية وهذا ما حدث مع اختلاف المعايير في العلمانية حيث تحديد الحقيقة يصبح مستحيلًا إذا كان كل فرد أو حزب أو دولة تستخدم معايير مختلفة ، فهذا سيؤدي إلى أن كل طرف يرى الحقيقة التي صنعها أو ما يريد أن يعتبره حقيقة مما يجعل لدينا حقائق لكل طرف أو آراء مقتنع بها كل طرف ، ونحن نريد حقائق أصلية وليست مسميات وهمية لوجهات نظر شخصية وآراء ظنونية ،قال تعالى"إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى"النجم (23) وقال تعالى"وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يُغني من الحق شيئا"النجم (28) وقال تعالى"وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون"يونس (36) معنى هذه النتيجة التي وصل إليها العلمانيون أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى العلم الفكري والحقائق الفكرية ، وإليكم هذه الاعترافات ، وهذه الأقوال قال برتراند رسل في كتابه تطوري الفلسفي:"إنه لا يمكن الادعاء بالقطعية ( في النظرية أو الآراء ) على النحو الذي سار عليه الفلاسفة المتسرعون ، بكثرة وبدون جدوى" (2) وقال أ.م. بوشنسكي"ولم يعتقد برتراند رسل ، منذ البداية أن بإمكان الفلسفة أن تقدم إجابات مؤكدة كثيرة، وحيث أن وظيفتها هي أن تفتح مجالات أما العلم ، فإن عليها أن تثير المشكلات لا أن تجد حلها ، أن المهمة الرئيسة للفلسفة مهمة نقدية (3 وعلق أ.م. بوشنسكي"ومن مزايا هذه الطريقة في التناول أنها تنبه العقل ، ولها من القيمة ما يفوق الإجابات الفلسفية التي تحمل الشك بين طياتها للأبد"(4) وأعلق لا نريد جدلًا ونقدًا وحوارًا لا ينتهي ، نريد أن نصل للحقائق الفكرية وقال جوليان هكسلي:"يجب أن نستعد"
ــــــــــــــــ
(1) ص 152 المصدر السابق
(2) ص 34 الدين في مواجهة العلم الأستاذ وحيد الدين خان
(3) ، (4) ص 86 ص 87 الفلسفة المعاصرة في أوروبا أ.م. بوشيسكي ترجمة د. عزت قرني
لمواجهة الحقيقة، وهي أن جهلنا بالحقائق النهائية سوف يستمر إلى الأبد بسبب فطرتنا المحدودة" (1) وقال دكتور الكسيس كاريل"نحن ضحايا تخلف علوم الحياة عن علوم المادة" (2) وقال جوليان:"إن محاولة تقديم تفسير لعلم الإنسان ينطبق على كل إنسان ضرب من المستحيل وجرى وراء السراب" (3) أما الأستاذ عادل ضاهر فقد قال في كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية"فالمشكلة الأساسية هنا هي أن ادعاءنا امتلاك معرفة معيارية بصورة مستقلة ، بعكس ادعاءنا امتلاك معرفة علمية بصورة مستقلة ، هو ما يشكل موضوع تساؤل ، ليس فقط من قبل منظري الحركات المناهضة للعلمانية ومن لف لفهم ، بل وحتى من قبل جزء كبير من الفلاسفة العلمانيين ، فإن بين الأخيرين عددًا لا يستهان به ينفي إمكان أو وجود معرفة عقلية، على المستوى المعياري ، بينما بالمقابل ، يكاد يستحيل أن نجد شخصًا واحدًا عاقلًا ينفي وجود أو إمكان وجود معرفة عقلية مستقلة على المستوى العلمي" (4) والمقصود هنا أن هناك حقائق في المجال المادي في حين أن هناك عدم قدرة للوصول للحقائق في المجال الفكري وقال الشيخ عبد الحليم محمود:"والواقع أن العالم منذ أن نشأ ، وهو يحاول أن يجد مقياسًا عقليًا ليزن به الحق والباطل ، في ميدان الأخلاق وما وراء الطبيعة ولكنه ، على مر الدهور ، وعلى اختلاف البيئات ، وبرغم الجهد المتواصل ، لم يجد هذا المقياس العقلي" (5) وقال ابن القيم:"وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يُتِيقن فليس بعلم ، وإنما هو ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئًا"وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" (6) وجاء في كتاب نظرات في النبوة"إن للعقل اختصاصه وميدانه وطاقته، فإذا اشتغل خارج اختصاصه جانبه الصواب، وحالفه الشطط والتخبط، وإذا أجري في غير ميدانه كبا وتعثر، وإذا كلف فوق طاقته كان نصيبه العجز والكلال" (7) وقال الأستاذ عبد الباري الندوي"لم يستطع علماء الأخلاق حتى الآن أن يعينوا المعيار الحقيقي للخير والشر" (8) "
ــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) ص 93، ص98 الدين في مواجهة العلم للأستاذ وحيد الدين خان
(4) ص 172 الأسس الفلسفية للعلمانية الأستاذ عادل ضاهر
(5) ص 175 التفكير الفلسفي في الإسلام الشيخ عبدالحليم محمود
(6) ص 24 رسالة التقليد للإمام ابن القيم
(7) ص 38 كتاب الرسل والرسالات د. عمر الأشقر
(8) ص 54 الدين والعلوم العقلية الستاذ عبدالباري الندوي
العلمانية منبع الجهل