فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 2255

وسعادة المسلم بتعامله معها بكفاءة عالية

كلما زاد فهمنا للاسلام والحياة وزادت أعمالنا الصالحة بنينا حصونا قوية تصيبها سهام المصائب والمشاكل فتسقط دون أن تؤثر في نفسياتنا فتأثر العالم ليس كتأثر الجاهل وتأثر المطيع ليس كتأثر العاصي فلنبن حصوننا فمصائب الدنيا الشخصية والاجتماعية والسياسية كثيرة وفي الاسلام تصور لعلاج المصائب ولن يكون لهذا التصور والعلاج مفعول اذا تأخر الاخذ به قال تعالى ?ءآلئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين? (91) سورة يونس فلنحذر الجهل والمعاصي فقد قال الحسين بن أرجك وما أصدق ما قال"من خير المواهب العقل ومن شر المصائب الجهل" (35) وقد قام بعض علمائنا ببيان المنهج الصحيح في التعامل مع المصائب ولقد جمعت بعض ما قالوا لعله باذن الله ينفعنا جميعًا. ورأيهم أن الصمود للمصائب يتطلب الآتي:

1-العلم بأن الدنيا دار ابتلاء واختبار: ومعرفة ذلك يؤدي الى توقع الانسان للمصائب واستعداده النفسي لها وكثيرا ما يكون الانسان المتوقع للمصائب أكثر صلابة من الانسان المطمئن الى الدنيا فيفاجأ بالمصائب والفتن قال تعالى ?أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين? (13) سورة العنكبوت. والفتنة والاختبارات تكون بالمصائب كالفقر والمرض والسجن وموت الولد وغير ذلك وتكون بالنعم كالثروة والمركز والصحة وغير ذلك والفائز هو من يتعامل مع المصائب والنعم بما يرضي الله فاذا دفعه الفقر العادي للغش والرشوة فقد رسب في الاختبار واذا دفعه الظلم الى رد فعل أظلم فقد رسب بالامتحان ولكن اذا تعامل مع كل مصيبة بما يرضي الله فقد نجح والا فهو من الكاذبين والخاسرين ولا ندعو هنا للتشاؤم بل ندعو للاستعداد النفسي للاحتمالات السيئة.. قال أحمد شوقي رحمه الله:

يا نفس دنياك تخفي كل مبكية *** وإن بدا لك منها حسن مبتسم

2-يجب أن يعلم الانسان علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه قال تعالى ?ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم الا في كتاب (36) من قبل أن نبرأها (37) ان ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا (38) على ما فاتكم ولا تفرحوا (39) بما ءاتاكم والله لا يحب كل مختال (40) فخور (41) (23) ? سورة الحديد. ومن تأمل في هذه الأية الكريمة وجد فيها شفاء من أدواء (42) المصائب فالاقتناع بان الموت أو المرض أو الفشل أو الخسارة أو غير ذلك قدر مكتوب لا مفر منه مهما فعلنا يجعلنا أكثر قدرة على تحملها وهذا الاقتناع والايمان لا يعني اطلاقا الكسل والخمول والتهور وترك العمل بحجة أن ما كتبه الله سيحدث بل الاحتياط من الموت والمرض والفشل والهزيمة واجب لابد منه ولكن عندما تحدث المصائب بعد استنفاد كل الجهد البشري في منعها فهو قدر الله الذي لا مفر منه واذا اخذنا بالاسباب فبعد ذلك فلنقرأ هذه الحكاية: يروي أن حكيما رأى رجلا حزينا فقال له: هل ينقص من رزقك شئ كتبه الله لك قال لا قال هل ينقص من عمرك شئ كتبه الله لك قال لا قال هل يجري في هذا الكون شيء لا يريده الله قال لا قال فلم الحزن؟ ومعنى لا يريده الله أي لا يقع جبرا على الله فالله لا يجب الظلم والفساد ولكن سمح أن يقع في ملكه.

3-النظر في حال من ابتلى بمثل هذا الابتلاء فان التأسي راحة عظيمة: المقصود هنا مقارنة الانسان بالسلف الصالح وبالعقلاء من الناس في تعاملهم مع المصائب فاذا قلت مثلا كثيرون هم المصابون بمثل مرضي فلم يؤثر فيهم فلماذا أتاثر بشدة واذا قلت هناك كثيرون في مثل مستواي المعيشي ومع هذا صابرون فلماذا أكون أقلهم صبرا وأكثرهم جزع وهكذا فقد أصابت الاخيار مصائب كثيرة وضربوا أمثلة رائعة في التعامل معها فلنقلد هؤلاء الكرام فالتشبه بالكرام فلاح ولنحذر أن نتصرف كما يتصرف الكفار والمنافقون والعصاة والجهلاء.

4-النظر في من ابتلى اكبر من هذا البلاء: لنا في رسول (e) قدوة حسنة فقد ابتلى هو والانبياء والصالحون بأشد مما أصابنا ومع هذا صبروا فالرسول (e) كان من الفقراء وحاربه قومه ومات ابنه وأخرج من بلده وصبر على كل هذا وغيره وأيوب أصابه المرض وصبر ويعقوب فقد ابنه يوسف لسنين طويلة وصبر. وفي عصرنا هذا نرى المصائب الكثيرة ونجد هناك من صبر عليها ولو قارنا جزعنا على بعض مصائبنا وصبر غيرنا على مصائب اكبر لكان علينا أن نخجل من أنفسنا ونعاتبها ولنعلم أن كثيرا ممن صبروا نالوا ما يتمنون فالتقوى والصبر سلاحان فعالان فالعاقبة للمتقين والله مع الصابرين فعن عبدالله خباب بن الارت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله (e) وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: الأ تستنصر لنا؟ الأ تدعو لنا؟ فقال كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمة ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"رواه البخاري وفي رواية وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة."

5-أن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة: مما يجب أن تعالج به المصائب أن يحمد الله على أن المصيبة كان من الممكن أن تكون أكبر ولكن الله لطف فكثير من المصائب تهون عندما تقارن بغيرها فاذا مات لك طفل فهناك من مات لهم أطفال ولكن الله لطف بك وإذا أصابتك جروح في حادث سيارة فهناك من جروحهم أشد واذا شكوت غربة أو ظلما فهناك من هو أكثر منك غربة وظلما وهكذا واذا اقتنع الانسان بأن أكبر نعمة هي الايمان والاعمال الصالحة ولم يفرط بها فكل مصيبة تهون واذا اقتنع أن اكبر المصائب الشرك والكبائر وما لم يصب من ذلك بشيء فليحمد الله فاذا حافظ الانسان على ربح الايمان والطاعة فهو رابح مهما كانت خسارته من المصائب واذا خسر الايمان والطاعة فهو خاسر مهما كان ربحه من النعم. قال شريح اني لا صاب بالمصيبة فاحمد الله عليها أربع مرات وأشكره اذا لم تكن أعظم مما هي عليه واذا رزقني الصبر عليها واذ وفقني الاسترجاع (43) لما ارجوه فيه من الثواب واذا لم يجعلها في ديني (44) .

6-ان يعلم العبد كيف جرى القضاء فهو خير له: قال رسول الله (e) "عجبا لأمر المؤمن ان أمره كله له خير وليس ذاك لاحد الا المؤمن أن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (45) فالمسلم يستطيع أن يستثمر المصائب بالصبر والرضى فيكون صبره على المصائب منبعا للاجر والخير فقد بشر الله المسلم الصابر على موت ابنه أو ابنائه بالخير الكثير فتحويل المصيبة الى خير وثواب فضل أعطاه الله للمسلمين فالحمدلله على كرمه وفضله ورحمته ولذلك وجدنا بعض الصالحين يتمنون المصائب حتى يصبروا ويناولوا خيرها وهذا ليس من سنة الرسول (e) فالرسول أمرنا أن نسأل الله العافية والخير قال (e) "يا ايها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسالوا الله العافية فاذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت