وليت هؤلاء فهموا الدين وأهدافه وأحكامه، وليتهم فهموا الواقع بعيدا عن المثالية والخيالية والجهل. ولا نريد أن نذكر فوائد الزكاة والشورى والعدل ومضار الربا والخمر والكذب، فهذه أمور معروفة بل نريد أن نتحدث عما يمكن أن نسميه الاختلاط الردئ وهو الاختلاط غير الملتزم بأحكام الاسلام وأدابه، قد زاد الاختلاط زيادة كبيرة في هذا العصر مما أشقى الكثيرين. فقد زاد تبرج النساء وأصبح الفرد رجلا أو أمراة يتعامل مع كثيرين من الجنس الآخرة وأصبحت الاحاديث بين جنس واخر طويلة كانها أحاديث رجل إلى رجل أو امرأة إلى امرأة، وزاد الاختلاط الردئ في العمل والحفلات والجامعات. وكل هذا أحدث مفاسد كثيرة منها العزوف عن الزواج وعدم الثقة بالطرف الاخر، وانتشر الفساد الاخلاقي وأصبح بعض الرجال لا يقنع بجمال زوجته، فالجمال المنافس يراه كل يوم، وكلما مضى قطار العمر قلت قدرة الزوجان على المنافسة بل أن الزوجة الشابة والجميلة لن تسطيع منع زوجها من التأثر بالجمال المتوفر فلكل جمال فتنته وأنتج الاحتلاط الردئ شباب مائعا يعتبر الزواج سجنا والفساد حرية والاحتشام تخلفا والحياء سذاجة ومعرفته في الغناء والطرب أغزر من معرفته في الدين وقضايا الامة، وهذا الشباب المخدر لا يبني أمة، فالأمم لا تبنيها النوعيات الرديئة. ويظن بعض هؤلاء أنهم سعداء وأنهم أهل الحب ونقول: لا سعادة مع المعاصي بل معها القلق والكذب والملل، أما حديث هؤلاء عن الحب فكارثة. فالحب الشريف هدفه الزواج والطريق إلى الزواج هو أقصر الطرق وأصدقها قال رسول الله (e) "لم يُر للمتحابين مثل النكاح" (2) وعموما فبيئة الاختلاط الردئ تساعد على الانحراف النفسي والجسدي للرجال والنساء، ونحن لا ندعو الى منع الاختلاط فهذه عملية مستحيلة وغير إسلامية ولكن ندعو إلى تقليله قدر المستطاع وضبطه وترشيده بآداب الاسلام، لان ذلك من شأنه المساهمة في علاج أمراض اجتماعية كثيرة كالطلاق والخيانة الزوجية والشك والاغتصاب وهذه الأمراض تتناسب طرديا مع رداءة الاختلاط وحجمه وقد يظن البعض أننا نبالغ في تصوير هذه القضية ونقول لهؤلاء، تأملوا في أنواع كثيرة من الشقاء الاجتماعي كالمشاكل الاجتماعية والجرائم، وشاهدوا الافلام والتمثيليات واقرأوا كثيرا مما قال الشعراء لتجدوا أن جذور كثير من هذا الشقاء سببها الاختلاط الردئ. فهذه زوجة تغار على زوجها من زميلاته في العمل ولهذا حولت حياته الى جحيم- والغيرة لا تعني عدم الثقة فالغيرة شئ فطري - وهذه أخرى وجدت الكلام الرقيق عند زميلها وافتقدت مثله عند زوجها فزهدت فيه وهذا زوج تعاظم سلبيات زوجته عندما رأي الحنان الصادق أو الكاذب من أمراة أخرى. وهذه فتاة خدعت لسنين طويلة بكلام معسول من شاب يجيد الغزل والتهرب من الزواج، وهذا حب من طرف واحد وما أكثر هذا النوع، وهذه اشاعة تناقلتها الالسن واضرت. وهذا رجل يغازل زوجة أو اخت صديقه في حفلة وهكذا. وما دام أخر المطاف في أكثر الحالات هو الطلاق والفساد والخيانة والعشق وغير ذلك، فلماذا نسير في طريق الاختلاط الردئ ونحن قادرون على تلافي كثير من هذه النتائج لو توقفنا منذ الخطوات الاولى قال تعالى ?يا أيها الذين أمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم? (21) سورة النور. ونحب أن ننبه إلى أن الانسان الطبيعي قد لا يستطيع منع نفسه من أغواء الشيطان في بعض الاحيان قال تعالى ?وخلق الانسان ضعيفا? (28) سورة النساء. ولهذا نبه الله سبحانه وتعالى الصحابة وهم من أفضل البشر الى الحذر من الاختلاط الردئ قال تعالى ?وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن? (53) سورة الأحزاب. ونبه زوجات الرسول (e) وهن أشرف النساء وأعفهن فقال تعالى ?فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا? (32) سورة الاحزاب. وأمر المؤمنين بغض البصر وما أدراك ما غض البصر فقال عز وجل ?قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ان الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر? .. الى آخر الاية (31) سورة النور.
وهناك رأى مفاده أن الاختلاط يقلل من نسبة العنوسة ويؤدي الى التعارف وحسن اختيار الزوج والزوجة ونقول لا مانع من أن يتعارف الرجل والمرأة خلال فترة الخطبة وبوجود الضوابط الشرعية فاذا اقتنعا ببعض فعلى بركه الله أما اذا كانت الاخرى فالله ولي التوفيق واللقاء في هذه الحالة تم بين أناس جادين وندعو الى ايجاد طرق سليمة تسهل اختيار الازواج والزوجات ونقول ليس من الصواب أن يقيم الرجل أو المرأة عدة علاقات حتى يكون قادرا على اختيار الشريك المناسب فامكانية التعرف بهذه الطريقة هي امكانية محدودة وسلبياتها أكبر من ايجابياتها بكثير جدا كما أن الظن أن المعرفة بهذه الطريقة هي معرفة كافية ظن خاطئ لان المعرفة الفعلية لا تحدث الا بعد الزواج أما قبله فغالبا ما تكون معرفة سطحية ولا أدري لماذا نعقد الامور وهي بسيطة وسهلة فاذا كان هناك اقتناع كاف فلنعجل بالزواج فالزواج ليس اخر المطاف والطلاق ليس نهاية الدنيا فتسهيل الزواج عملية مطلوبة لسعادة المجتمع ولكننا وللاسف جعلنا عملية الزواج معقدة وصعبة بل أصبحت أبواب الحرام اسهل دخولا واقل تكلفة. أما بالنسبة لارتفاع نسبة العنوسة فنقول ان للعنوسة اسباب كثيرة ومعروفة ولعل أهمها قلة الامكانات المادية والشروط الصعبة أو التافهة التي يضعها الرجال والنساء والاهل وتفضيل البعض لحياة العزوبية لضعف الوازع الديني أو لما يسمعونه من مشاكل الزواج الفاشل ونقول للمدافعين عن الاختلاط الردئ انظروا الى نتائج الاختلاط في الغرب فستجدون الغرب أكثر عنوسة وطلاقا وفسادا واغتصابا بل نقول لهؤلاء انظروا الى كثير ممن انغمسوا في الاختلاط الردئ فسترونهم أكثر الناس عزوفا عن الزواج فما عاد جمال أمراة واحدة يكفيهم وهم أكثر الناس خيانة اذا تزوجوا وبعض هؤلاء يدافع عن الاختلاط الردئ فقط لانه يفتح المجال لهم للفساد ونقول لهؤلاء قال تعالى ?فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين? (5) سورة الصف.
وفي الختام نقول أنه من صالح الفرد والمجتمع أن نقلل من الاختلاط بصورة عامة ونرفض الاختلاط الرديء ولعل من أهم الاماكن التي يحدث فيها الاختلاط والاختلاط الرديء الجامعات وأماكن العمل والحياة الاجتماعية فبالنسبة للجامعات لا نعتقد أن الاغلبية الساحقة من الطلاب قادرون على تحمل تكاليف الحياة الزوجية أما بالنسبة لاماكن العمل فالمفروض أن تكون أماكن انتاج وعمل وليس اختيار زوج أو زوجة وبالنسبة للحياة الاجتماعية فالافضل هو لقاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء فمثل هذه اللقاءات أكثر فائدة وصراحة وطرافة. ونعود لما بدأنا به المقال وهو أن في تطبيق احكام الاسلام فائدة عظيمة ليس فقط في علاقة الرجل بالمرأة بل في كل القضايا التي تهم الانسان ولم تأت هذه الاحكام لتشقينا أو تعقدنا فاحكام الاسلام هي حصون تحمينا وليست سلاسل تقيدنا فاذا كان خروج الجندي من حصونه يعرضه للاخطار فليس هذا من الشجاعة والثقة بل من التهور والغرور فكذلك المسلم اذا خرج من حصون السعادة عرض نفسه لسهام الشقاء.
تسلية أهل المصائب (34)
المصائب تصيب المسلم والكافر