إن الواحد منا يتألم لو رأى ابنه يئن من ألم أو مرض بسيط, فما بال قلوبنا لا تتفاعل التفاعل المطلوب مع ما يحدث من مآسي لأطفال إخواننا الذين إن سلموا من الإصابات والعاهات الجسدية والمشاكل المادية فلن يسلموا من الإضطرابات والآلام النفسية من هول ما رأوا وما أصابهم.
يقول الشاعر أحمد حسبو في قصيدته (عندما يحزن العيد) :
كيف السرور وصفوة من أمتي في الأرض بين مشردٍ وطريد
كيف السرور ولم تزل أخواتنا يصرخن من وغدٍ ومن عربيد
يحملن في أحشائهن معرة من صلب كلب كافر رعديد (123)
ولنستمع يا إخوة الإيمان إلى هذه الأبيات المؤثرة للشاعر الراحل عمر أبو ريشة رحمه الله والتي يتكلم فيها متحسرا أولًا على مجد أمتنا الضائع والذي حق لنا أن نبكي من أجله, ثم يتكلم بحسرة عن واقعنا الحالي وتصرفاتنا ونحن نعيش وسط مآسي وآلام إخواننا.
وليتنا نستشعر أن أبياته تخاطب الأمة بأكملها أفرادا وجماعات, وليس فقط شريحة معينة منها, وذلك لأن تقصير الأمة بأفرادها ومجتمعاتها هو السبب لجميع مشاكلها, وهو الداء العضال الذي أفرز باقي الأدواء والانحرافات, ونخوة المعتصم يبدأُها كل واحد منا بنفسه بأن لا يرضى بأن يكون هو سببًا في استمرار مآسي إخواننا بأي تقصير منه في أي واجب أو وسيلة تكون سببا لإنقاذهم, ومن ذلك صدق عودتنا لله ونصرنا له حتى ينصرنا سبحانه ونوقف مذابح ومآسي إخواننا:
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم
أتَلَقَّاك وطرفي مطرقٌ خجلًا من أمسِكِ المنصرم
ويَكادُ الدمع يَهْمِي عابثًا ببقايا كبرياء الألم
ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم
كيف أغضيت على الذل ولم تنفضي عنك غبار التهم
أوما كنت إذا البغي اعتدى موجة من لهب أو من دم
اسمعي نوح الحزانى واطربي وانظري دمع اليتامى وابسمي
رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
وينبغي أيضا أن نتذكر بأن عدم استيقاظنا من الغفلة, وعدم المسارعة إلى التوبة والإصلاح خاصة وسط هذه الظروف الشديدة التي تعيشها الأمة, ونحن نرى ما يحدث لإخواننا بأعيننا,.. يجعلنا نخشى أن يصيبنا مثل ما أصاب إخواننا, خاصة أن الأعداء حاليا متربصون ومحيطون بأمتنا من كل جانب!.
قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون.واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ) (الأنفال24-25) ,...
كتب سيد قطب رحمه الله صفحتين في تفسيره عن المعاني العظيمة من هذه الآية وعن معنى الاستجابة والتي تشمل الالتزام بالشرع والدعوة إليه والجهاد في سبيله,.. وأثر الاستجابة على الفرد والأمة ,.. وأثر التخلي في نزول الفتن والبلاء الذي ينزل وقتها حتى على الصالحين الذين لم يكن لهم دور في الإصلاح, فحبذا الرجوع إليها.
والأهم من عقاب الدنيا أن نخاف من السؤال بين يدي الله ومن العقوبة يوم القيامة,... ووالله إن نفس المؤمن لتهتز عندما يتذكر موقف السؤال يوم القيامة ولو كان سؤالًا عن أمر بسيط أو صغير, فكيف بنا لو استشعرنا عظمة السؤال عندما نسأل عن ماذا فعلنا ونحن نرى واقع أمتنا الحالي, وعن ماذا فعلنا من الواجبات العظيمة الملقاة على عاتقنا تجاه هذا الأمر.
يا صاحبي هلا ذكرت قيامةً وصحائفًا يوم الحساب ستنشر (124)
قال صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم المخيف لكل مؤمن والذي رواه البخاري عن عدي بن حاتم: ( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بين الله وبينه ترجمان ثم ينظر فلا يرى شيئا قدامه ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة, ثم قال اتقوا النار ثم أعرض وأشاح ثم قال اتقوا النار ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى ظننا أنه ينظر إليها ثم قال اتقوا النار ولو يشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبه) (125) ,وفي إحدى روايات الحديث في البخاري (ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه) .
يقول د وليد فتيحي في مقال له عنوانه"عيدٌ بأية حال عدت يا عيد": (كيف للقلب أن يسعد وفي الجسد آهات وأوجاع ؟ .. وكيف للعين أن تقر وهي ترى أمامها شريط أحداث العام السابق لأمتها, وكل ما يحتاجه أحدنا هو أن ينظر إلى الصحف العالمية ليرى أننا أصبحنا حديث العالم ومحور الصراعات والنزاعات والحروب والتشريد والجهل والفقر والجوع ففي أعضاء جسد الأمة الإسلامية من المآسي ما يضاهي مآسي شعوب العالم مجتمعة) (126) .
فإذا لم نستيقظ الآن والأمة تذبح فمتى نستيقظ, وإن لم نستيقظ الآن والإسلام جريح جرحا عظيما غائرا فمتى نستيقظ.
قال تعالى: (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) ) (التوبة:105) .
قال تعالى: (( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ) (البقرة:281) .
وقال سبحانه: (( أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن `الساخرين .أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقي.أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) ) (الزمر:56-58) .
وهنا في ختام هذا الموضوع كلمة نوجهها لبعض إخواننا في الإسلام الذين يؤذون الداعين إلى الله, -الذين يقربون الأمة بإذن الله من طريق النصر- ويتهمونهم بشتى التهم ويسخرون منهم ويتهكمون بهم .
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهند
قال تعالى: ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) (الأحزاب:58) .
نقول لهم اعلموا أن أعداء الدين إذا هَمُّوا بإبادة المسلمين في مكان ما فإنهم يتلذذون بقتل أي مسلم حتى وإن كان ممن شاركهم في تنفيذ مخططاتهم وحارب وآذى الدعاة إلى الله-إلا الصفوة منهم في ذلك!-, فيكفي لهم أنه مسلم لينال الإبادة, وانظروا إلى إخواننا في البوسنة والهرسك فقد ذبحوهم مع أنهم نظرا للجهل وغيره كانوا في بُعْدٍ كبير عن دينهم, فبعضهم كان لا يؤدي حتى الصلاة, وبعضهم كان لا يعرف من الإسلام إلا اسمه, ومع ذلك فعلوا بهم ما فعلوا!.
والمفروض أن يكون كل المسلمين صفا واحدا في وجه أعدائهم, فإن من فرقنا هم الأعداء شياطين الإنس والجن, خاصة بعد أن رأوا الصحوة في العالم الإسلامي فخافوا منها وأرادوا أن يميتوها أو يضعفوها بأية طريقة, ومن ذلك تشجيع بعض المسلمين! بطرق مختلفة قد لا يشعرون بها على الهجوم على الصحوة و المتدينين.
فنسأل الله العظيم أن يجمع قلوبنا وقلوبكم على الحق لنكون صفًا واحدًا في وجه الأعداء الكائدين.
لندرك التحدي ونواجهه
بني الإسلام قد دوى النفير وفوق ربوعكم شب السعير
إخوتنا بني الإسلام في كل مكان إننا نواجه تحديًا كبيرًا, فأعداء الأمة وجموع الشر قد اجتمعت لكي تحارب ديننا وتهزمنا, بل لنقل كي تبيدنا إذا سنحت لهم الفرص. فهم بإمكانياتهم الكبيرة وبجيوشهم وأسلحتهم الرهيبة قد تهيؤوا لحربنا وإبعادنا عن ديننا, ولكن وعلى الرغم من كل هذه الشرور والمخاطر فان وسيلة الأمان والنجاة بأيدينا إن عملنا لها, فبصدقنا مع الله وبتطبيقنا شرعه وبإرسالنا أرواحنا خفاقة مشرقة فيما يرضي الله يبزغ فجر النصر والغلبة والعودة إلى المجد.
أخي سنبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إشراقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد (127)