وأحب أن أؤكد أن سماحة الشيخ رحمه الله لا يقصد بكلماته أن المسلمين الذين يسعون في تأييد عدوهم هم فقط أفراد جيش المسلمين في ساحة القتال, فإن ما يقصده عام ويشمل المسلم ولو كان في خارج ساحة المعركة, فهو بذلك يكون سببا في أن تكون العزة والمنعة والغلبة لأعداء الدين وهزيمة الأمة, بل إن أكثر كلامه في هذه الرسالة كان عن سلوك المسلمين في حياتهم ككل, وعن تطبيقهم لأوامر الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فليرجع إليها من أحب الاستزادة.
وما أبلغ هذه الكلمات للشيخ محمد الغزالي رحمه الله والتي تستحق أن تكتب بما هو أغلى من الذهب, وهي وإن كان على ما يبدو أن الشيخ يقصد أكثر ما يقصد بها الذين يقللون من أهمية الدين والتدين من المسلمين والذين يضيعون على الناس أحكام دينهم ويساعدونهم على التخلي عنها ويضيقون على الدين وأهله, إلا أن مدلول كلمته عام و يشمل كل مفرط في التزامه بأوامر الدين, لأنه بذلك كما ذكر الشيخ يرحمه الله يعين أعداء الدين على المسلمين, والشيخ أشار في مواضع عدة من كتابه"حصاد الغرور"إلى أثر الذين يفرطون في الالتزام بالدين على تحقيق التمكين للكافرين...
واسمحوا لي أن أقول مذكرا لإخواني المسلمين وأخواتي المسلمات ؛ ..ليتنا نكتب كلماته القادمة على باب كل مذنب ولاهٍ لأنه لا يذنب فقط في حق نفسه بل في حق أمته جمعاء, وحق اليتامى والثكالى والمذبحين, بل ليتنا نكتبها على باب كل مقصر في الدعوة إلى الله التي هي السبيل لعودة الأمة ككل, بل ليتنا نكتبها على باب الدعاة الذين يقصرون في دعوتهم وهم يرون أمتهم بها ما بها ثم لا يبذلون غاية جهدهم, بل وغيرهم وغيرهم لأن كل هؤلاء يؤخرون نصر الدين ويؤخرون الفرج على المسلمين.
يقول الشيخ الغزالي في هذه الكلمة:
(( إن الدين بالنسبة لنا نحن المسلمين ليس ضمانا للآخرة فحسب انه أضحى سياج دنيانا وكهف بقائنا.
ومن ثم فإنى أنظر إلى المستهينين بالدين في هذه الأيام على أنهم
يرتكبون جريمة الخيانة العظمى، إنهم دروا أو لم يدروا
يساعدون الصهيونية والاستعمار على ضياع بلدنا وشرفنا ويومنا
و غدنا. . !!
فارق خطير بين عرب الأمس وعرب اليوم.
الأولون لما أخطؤوا عرفوا طريق التوبة، فأصلحوا شأنهم،
واستأنفوا كفاحهم، وطردوا عدوهم. . . )) (110) .
يقول الشاعر الأستاذ محمد الوقداني في هذه الأبيات المعبرة كيف أننا بحق نساعد الأعداء بتقصيرنا:
نحن ساعدنا الأعادي بالتواني والرقاد
لو رأوا صفا قويا مستعدًا للجهاد
لأنابوا واستجابوا ثم ثابوا للرشاد
غير أن الضعف يغري كل عاد بالتمادي (111)
ولا شك أن أقوى عدة للأمة هي صدقها مع الله وطاعتها له سبحانه, وهي التي تعدنا وتطلقنا بفعاليةٍ للجهاد ولإعداد القوة اللازمة له, ويتحقق لنا بها العزة والغلبة والنصر.
أخي المسلم هل أدركت الموضوع تماما, وبيقينك الجازم؟.
إنها مثل المعادلة: ذنوب (112) نفعلها بإصرار ومجاهرة... تؤدي إلى أمة إسلامية ضعيفة عاجزة عن حماية أبنائها... مما يؤدي إلى استمرار ذبح إخواننا (وقد يأتنا الدور ! نسأل الله السلامة والعافية) .
والحل هو العودة إلى الله (113) والدعوة (عودة ودعوه) , وأي تقصير منك في ذلك يعني ذبحا لإخوانك !!.
ولنستمع بقلوب مصغية لهذا النداء المؤثر في القرآن العظيم كلام ربنا سبحانه, مستشعرين جلال وعظمة ورهبة هذا التوجيه الكريم من سبحانه, مستشعرين جلال وعظمة ورهبة هذا التوجيه الكريم من ربنا وخالقنا المنعم علينا والغني عنا القوي الجبار سبحانه؛
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون) (الأنفال:27) .
ورد في تفسير هذه الآية ما ذكره ابن كثير ( والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية) (114) ,
وتشمل كما ذكر سيد قطب في الظلال التخلي عن حمل أمانة الدين والدعوة إليه.
وخالقنا العظيم الجبار يخاطبنا بقوله ( وانتم تعلمون) وهي كلمه يعجز اللفظ عن استيفاء مدلولاتها وإيحاءاتها العظيمة التي تلقيها في النفس, فربنا العظيم يعاتبنا سبحانه عن تخلينا ونحن من العالمين بما حملناه من الأمانة والمسؤوليات.
وأخشى ألا يكون لنا عذر اليوم معاشر المسلمين بعد أن راينا ما رأينا بعد أن راينا ما رأينا.
ألا نخاف ونخشى؟
يا مسلمون أما نخشى من النِقَمِ كم من قتيل هَوَى والغَيْرُ في نَغمِ
كم من نساء ثكالى عَزَّ مُنجِدُهم كم من سبايا وكم من يُتَّمٍ ودمِ
يا مسلمون أفيقوا من رقادكم قبل المثول أمام الله والندمِ (115)
إن من الواجب علينا أن نتذكر عظمة ما يحدث من المذابح لإخواننا المسلمين عند الله وغضبه سبحانه و تعالى من ذلك, والذي يتبين من مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) (116) ,
وقول ابن عمر رضي الله عنه عندما نظر إلى الكعبة فقال: ( ما أعظمك وأعظم حرمتك, والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ) (117) .
دوتأمل أخي المسلم كيف يكون شعورنا لو أن الكعبة تهدم أو تهان, .. أعلم أن غيرتك ستجعلك تتأثر تأثرا تعجز الكلمات عن وصفه,.. والتفت مرة أخرى وتأمل كلمة ابن عمر رضي الله عنه, ولتحكم بنفسك عن ماذا يمكن أن نقوله عن سلبيتنا في هذا الجانب- إلا من رحم الله- في تأثرنا وغيرتنا وعملنا لانقاذ أمتنا التي تذبح بالملايين!! .
تحاصرنا المجازر كل يوم وتهدم في مرابعنا الحصون
فيجب علينا الخوف والحذر إن لم نقم بمسؤولياتنا العظيمة تجاه ذلك.
وعلينا أن نشعر أن هؤلاء الذين يتعرضون للذبح هم إخواننا نتألم لألمهم ونبكي لبكائهم, بل إن رابطة أخوة العقيدة في ديننا أقوى من رابطة أخوة النسب, فكيف يكون شعورنا عندما يذبح لا أقول فقط يقتل أخ لنا في النسب,..
يا أخي في الهند أو في المغرب أنا منك أنت مني أنت بي (118)
هؤلاء الذين يذبحون إخواننا, ...وحالنا لا يعبر حقًا عن ذلك, وإلا فأين تأثرنا, وكيف نلهو بالمعاصي وهم يبادون, وماذا عملنا من أجل إنقاذهم, لا أعتقد (وعذرًا) أن ما عملناه من غيرةٍ من أجلهم يتماشى مع كلمة الأخوة بمعناها العظيم,.. ولكن يبدو أن أمتنا نسيت حقيقة معاني الأخوة في الدين, كما نسيت من قبل ذلك الكثير من معاني ديننا, بعد أن خدرها الملهون والمفسدون.
يقول صالح الجيتاوي في قصيدة له بعد احتلال إسرائيل جنوب لبنان عام 1982 وما حصل وقتها للمسلمين فيها من نكبة:
إني لأسأل في شكي وفي ألمي: أكان يربطُ حقًا بيننا سَببُ ! ؟
ناديتُكم وفؤادي حُرقَة وأسى ناشدتُكم كُل عِرقٍ حقهُ يَجِبُ
حتى الجلاميدُ قد رقَّت لما سَمِعَت والطير والبُهمُ والأشجار تنتحب
إن كان ذبحيَ لا يُذكي أُخُوتكم فما الأخوة إلا الغش والكذب (119)
ويقول أحد الشعراء على لسان طفلة منكوبة في العالم الإسلامي تخاطب المسلمين في كل مكان:
قلبي بكى متسائلا عن إخوة الإيمان
أتراهم قد خُدِّرُوا عن سمع كل بيان
أتراهم قد أُلجِمُوا فارتاع كل لسان (120)
ويقول د عبدالرحمن العشماوي:
هؤلاء الأبرياء
في زمان الرعب, ظلوا يصرخون
أين منا المسلمون ؟
أين منا المسلمون ؟
عازف يسلبُه اللهو صوابه
يحسب المجد على ثغر ربابه
وغنيٌّ يبتني قصرا ولا يملك بابه
وفقير يسرق اللقمة من ثغر ذبابه
أين منا المسلمون ؟ (121)
يا سؤالًا لم أزل أدفن بالصمت جوابه! (122)