وان مما يحز في النفس عدم استشعار الأمة تمامًا لهذا الجانب وعدم المسارعة إليه بقوة,..حتى أننا نجد الكثير من أبناء الأمة الصادقين في تألمهم لما يحدث للمسلمين من مذابح ومحن يسلكون شتى المسالك في سبيل مساعدة إخوانهم بدون أن يلتفتوا للحل الحقيقي, وحتى أن الكثير من الغارقين في المعاصي يتألمون بشدة لما يحصل لإخوانهم بدون التفكير في التوبة من ذنوبهم وما هم فيه من بعد عن ما يرضاه الله.
وأبناء الأمة فيهم الخير وقد يكون استشعارهم وإدراكهم لهذا الجانب حافزًا للكثير منهم للمسارعة في التوبة والعودة إلى الله والالتزام الكامل بأوامر الدين …غيرة على واقع الأمة وواقع إخوانهم, ولنا شاهد في قصة إسلام حمزة رضي الله عنه عندما كانت بداية إسلامه تأثرًا لما رآه من أذية المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يستغرب له الإنسان ويتمنى أن ينتبه له المسلمون ويأخذوا منه العبر أن كثيرا من الذين أسلموا بعد أن كانوا كفارا يكونون أولا أعرف من الكثير من المسلمين بالمخاطر التي تواجه الأمة ومن أهمها البعد عن الدين, وثانيا تراهم يعملون بجد وحماس كبير لخدمة ونشر الدعوة إلى الله وخدمة المسلمين, والأمثلة على ذلك كثيرة بالمئات والآلاف ومنهم الكثير ممن لم يعرفوا ولكن نذكر منهم هنا مثلين؛
الأول يوسف إسلام أو كات ستيفنز المغني البريطاني العالمي الذي أسلم وأصبح داعية للإسلام في وسط المسلمين! وغيرهم, وصار يعرف الآن بالداعية الإسلامي! ( من مغني بوب إلى الداعية الإسلامي!!) , وجُلَّ همه الدعوة إلى الله وخدمة الإسلام, حتى أنه أسس مؤسسة لخدمة الإسلام والمسلمين في العالم أسماها"العون الإسلامي", وهو يستحق أن تؤلف عن سيرته المؤثرة كتب عديدة تقدم لأبناء أمتنا في كل مكان, نسأل الله له ولنا الثبات على الحق.
والثاني هو المفكر الإسلامي محمد أسد النمساوي الأصل واسمه السابق ليوبولد فايس, والذي أصبح يتكلم عن هموم المسلمين ويحذر الأمة من الصليبية الحاقدة ومن عداوة الغرب للإسلام!!, ويُذكِّر المسلمين بأن عزهم في العودة إلى الإسلام!!, وأنقل هنا كلمة للدكتور مصطفى الخالدي كتبها في تقديمه لكتاب الإسلام على مفترق الطرق الذي ألفه محمد أسد: (( إنه درس دقيق لحال المسلمين اليوم من الناحية الثقافية والروحية, ومع أن ثمة سحابة كثيفة من التشاؤم تحوم حول نفس المؤلف، فإن هناك أيضًا بريقًا ساطعًا من الأمل باستعادة الإسلام غابر مجده ورجوع المسلمين إلى قوتهم الاجتماعية والثقافية الأولى, هذا البريق الساطع من الأمل يتلخص في جملة قصيرة: رجوع المسلمين إلى التمسك بحقيقة دينهم ) ) (61) .
ولننظر عموما إلى العديد من المسلمين الجدد من شتى أنحاء العالم خاصة
من أمريكا وأوروبا وكيف أن الكثير منهم يكونون في القمة في التزامهم (62) رجالًا كانوا أو نساءً , وأيضا نجد الواحد منهم يمارس بعد إسلامه مباشرة دوره في الدعوة إلى الله! وحمل هموم المسلمين!!.
قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) الآية (المائدة:54) .
مصيبة ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والدعوة إلى الله
لا شك أن بعد الأمة عن الالتزام الحق بالدين في شتى الأمور مصيبة, ولكن تعتبر قضية ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الانحرافات و المصائب التي وقعت فيها الأمة, فالمنكرات قد تحدث في أي مجتمع لكن أن يضعف الإنكار والإصلاح حتى تصبح بعض المنكرات سمات عامة للمجتمعات الإسلامية, بل وأن لا يشعر الكثير من المسلمين بأنها منكر وخطأ (63) نتيجة لضعف الإنكار , بل وقد ينكر على من ينكرها في بعض الأحيان,.. لاشك أن ذلك من الطامات الكبرى التي حصلت في مجتمعات المسلمين .
ومن المهم جدًا أن نتذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل الدعوة إلى الله بمعناها الأوسع, وذلك حتى لا تعتقد الأمة أن دورها في الإصلاح يتوقف على الإنكار والأمر بالطريقة المباشرة فقط, بل إنه يشمل أيضا العمل على الإصلاح بكل ما يناسب من وسائل تساعد المسلمين على الالتزام بدينهم والعودة إلى ربهم, ويشمل البذل والتضحية بالمال وغيره في سبيل ذلك (64) .
ولا يشك مسلم صادق في وجوب وأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو ركيزة من ركائز الدين وواجب من أهم واجباته حتى عده بعض العلماء بمثابة الركن السادس من أركان الدين.
ولقد انشغل أكثر المسلمين في هذا العصر عن الدعوة إلى الله, وكأن هذا الواجب العظيم ليس من مسؤولياتهم الدينية التي سيسألون عنها يوم القيامة, خاصة في عصرنا هذا الذي كثرت فيه المعاصي والآثام وضعف فيه المسلمون واشتد كيد الأعداء ومكرهم وإجرامهم, فمن مشغول بمنصبه وعمله إلى مشغول بتجارته (65) وعقاراته وأسهمه, إلى مشغول بمنازله ومراكبه, وأما أمر الدين والدعوة والإصلاح فإن تذكره فله فضول الأوقات وفضول الأموال (66) .
جُلُّ العباد بأمره متشاغل وعدونا في قتلنا يتآمر
في كل يوم يُستباح محُرم ومقارف للشرك بل ومجاهر (67)
ولا يُعْذَر الإنسان في تخليه عن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر حتى وان كان مقصرا في نفسه في بعض الأمور, والسلف ذكروا أن المسلم عليه أن ينهى عن المنكر حتى وان كان هو واقع فيه (68) , فوقوعه في المنكر ذنب وعدم إنكاره على الآخرين ذنب آخر يسأل عنه, وحصول ذنب واحد أقل إثما من حصول ذنبين, فعليه الإنكار مع اجتهاده الصادق مع نفسه في ترك المنكر (69) .
قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104)
وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) الآية (آل عمران: 110)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ) رواه الترمذي (70) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا ) رواه أبو داوود وابن ماجة (71) .
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: ( إن الناس إذا رأو الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ) رواه أبو داوود وابن ماجه والترمذي وصححه (72) .
يقول ابن قدامة المقدسي: (( اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي بعث الله به النبيين, ولو طوي بساطه لاضمحلت الديانة وظهر الفساد وخربت العباد ) ) (73) .
ويقول الشوكاني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (( وجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها ) ) (74) .