فهرس الكتاب

الصفحة 966 من 2255

و يقول الشيخ المجاهد محمد محمود الصواف رحمه الله: (( فبينما نحن معشر المسلمين أمة قاهرة ظاهرة في الأرض لنا الملك والسلطان والسيف والصولجان ؛ ولنا الكلمة العليا؛ إن قلنا أصغت الدنيا لقولنا؛ وإن أمرنا خضعت الأمم لأمرنا وسلطاننا,... فلما تركنا أمر ربنا وخالفنا قواعد ديننا وتنكبنا الطريق المستقيم الذي رسمه الله لنا وخط لنا خطوطه واضحة بينة قوية وأمرنا بالسير فيه وسلوكه، لما سلكنا هذا السبيل المعوج صرنا إلى ما صرنا إليه من الفرقة والشتات والذل والهوان, وهل في الدنيا والآخرة شر وداء وبلاء إلا وسببه الذنوب والمعاصي وترك الأوامر والنواهي ) ) (47) .

يقول الشيخ العلامة محمد زكريا الكاندهلوي في كتابه القيم"أسباب سعادة المسلمين وشقائهم": ( فالعلاج الوحيد لتوقي الأمة المحمدية من المصائب والحوادث ومواجهة النكبات والخسائر إنما هو تركيز عنايتها بالاحتراس من المعاصي, فإذا ما صدر منها شيء من الذنوب تندم عليه وتستغفر الله منه وتتوب إليه ) (48) .

وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في خطبة منشورة له عن أثر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع (( فاتقوا الله عباد الله وانظروا في أمركم وتوبوا إلى ربكم وصححوا إليه مسيرتكم واعلموا أن هذه العقوبات التي تنزل بكم وهذه الفتن التي تحل بكم إنما هي من أنفسكم وبذنوبكم, فأحدثوا لكل عقوبة توبة ورجوعا إلى الله ) ) (49) .

ويقول الشيخ حامد المصلح في رسالته القيمة الهامة عن أضرار الذنوب والمعاصي (( وإني بهذه المناسبة أوجه أنظار الأمة -خصوصًا قادتها من أمراء وعلماء و أهل الحل والعقد بالذات- و كل فرد في المجتمع المسلم أن يتقوا الله تعالى, و أن يبتعدوا عن المعاصي و الآثام و عن كل ما نهى الله عنه بقدر المستطاع, إذا أرادوا النصر والعز والسيادة والسعادة في الدارين.

ولو تأمل متأمل في أحوال المسلمين اليوم لوجد أن لديهم من كبائر الذنوب ما الله به عليم فترى البدع و الشرك و الكفر و سائر المعاصي تمتلئ بها بلدان المسلمين, فضلًا عن صغائر الذنوب )) (50) .

يقول فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله السبيل (( عباد الله: إنا لو تأملنا ما حل بالأمة الإسلامية من الكوارث الخاصة والعامة والحروب المدمرة والزلازل والفيضانات لوجدنا أن سببه الذنوب والمعاصي ومخالفة أمر الله(51) ، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال عز من قائل: ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ( الروم: 41 ) )) (52) .

فالذنوب والمعاصي ليست فقط سببًا لذل أمتنا وانتصار الأعداء عليها وضعفها عن الرد, بل هي سبب لما يحدث للمسلمين من ابتلاءات وضعف وضيق في شتى جوانب الحياة (53) , وكما يقول الشاعر:

تاللهِ ما نزلت بالعُرب نازلة إلا وتفريطهم في دينهم سبب (54)

ولا شك أن المعنى يشمل جميع المسلمين .

والواقع أن أمتنا الإسلامية عمومًا في عصرنا الحاضر حدثت وتوجد فيها انحرافات في أمور عقدية وشركيات, وضعفت في تحقيق التوحيد, وحكمت بغير ما أنزل الله في كثير من أمورها في كثير من بلاد الأمة, وانحرف فكرها انحرافًا كبيرًا ,وانحصر مفهوم العبادة لديها, واختل ولاء وبراء العديد من المسلمين فأحبوا الكافرين وتشبهوا بهم, وبَعُد إعلامها بعدا رهيبا عن تعاليم الدين (55) , وانتشر فيها الربا, واستهين بالغيبة والنميمة وأنواع عديدة من الظلم والغش وسوء الخلق, وتهاونت المرأة في حجابها ولباسها وعفتها, وفسد العديد من شباب الأمة, وأدخل المسلمون المنكرات في عقر دورهم, وابتعدت الأمة عن الالتزام الجاد والكامل بأوامر الله, وتغافلت عن أحكام الدين في كثير من الأمور (56) , وقصَّرت في واجب الأخذ بأسباب القوة المادية اللازمة والإجتهاد فيها, وتحدت الله سبحانه وتعالى بالمعاصي حيث نرى كثيرا من الأشياء التي لايرضاها الشرع يجاهر بها (57) ويصر عليها ، وأخطر من هذا ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين والذي هو من أهم أسباب استحقاق البلاء, وأخطر من ذلك التكبر على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, وازدراؤهم والتهكم بهم, واتهامهم بالتشدد والرجعية والتضييق عليهم, ... ونسيت الأمة أن الله جبار السماوات والأرض يغار ويغضب أن تنتهك حرماته وأن تعصى أوامره خاصةً عند الإصرار عليها والمجاهرة بها ، ونسيت الأمة أن الله مالك الكون غني عنها وهي التي لا غنى لها عنه ، ونسيت الأمة أنها كانت تهزم بسبب أخطاء محدودة أو تقصير بسيط في حق الله ، فكيف تريد أمتنا الفلاح والعزة وهي تجاهر الله بالمعاصي وتتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟.

قال تعالى: (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) ) (الشورى: 30 ) .

تعصون ربي جهارا فكيف ترجون نصرا (58) .

أذكر كلمة قوية مؤثرة جدًا سمعتها ولازال صداها يتردد في أذني لأحد الدعاة وهو الشيخ إبراهيم عزت رحمه الله في شريط له عن تفسير إحدى السور تكلم فيه عن واقع الأمة, فكان يقول بصوته الجهوري المؤثر ويردد ( والله إن ما بين الأمة وما بين الإسلام كما بين السماء والأرض, . . . ثم قال: كل الأمة كل الأمة كل الأمة مسؤولة عن هذا الهزء في دين الله ) لم يُسمِّ بُعْدَ الأمة بعدًا فقط بل سماه هزءًا ,وهو كذلك في بعض مظاهره والتي تجعل الحليم حيرانا ,ولننظر كمثال على ذلك إلى واقع الإعلام والقنوات الفضائية (59) في بلاد المسلمين وأين هي من الدين وأحكامه, فضلًا عن الانحرافات الكثيرة في أفكار المسلمين وبيوتهم وأسواقهم بل قل في شتى أمور حياتهم .

لذا فالحل الأساس الهام الحقيقي الجذري الذي سيوقف المذابح والمآسي المتكررة بإذن الله, والذي ينبغي ألا يراودنا الشك بأنه الحل؛ هو العودة إلى الله والالتزام بشرعه في الصغيرة والكبيرة ( بما فيها واجب الأخذ بأسباب القوة المادية) ,فبهذه العودة يعود للأمة عزها ومجدها ومن ثم ستستطيع أن تنتصر لأبنائها من أعدائهم, وأن توقف وتمنع استمرار هذه الفواجع والمآسي في أي مكان كانت, لأنها تكون عندئذ قد نصرت الله فينصرها الله وينقذ بها وبجهادها الأمة من الواقع الأليم الذي تعيشه .

وما أجمل هذين البيتين الذين سبق ذكرهما, والذين يستحقان أن يكتبا بماء الذهب فقد عبرا ببلاغة عن مأساة أمتنا ووضحا وبينا الحل الحقيقي ؛

يا أمة الحق إن الجرح متسع فهل ترى من نزيف الجرح نعتبر

ماذا سوى عودة لله صادقة عسى تُغيِّر هذي الحال والصور

يقول الشاعر أحمد الجيتاوي في قصيدته أشجان الإسلام:

يا أمتي هل لهذا الليل آخِرةٌ وهل لهذا الأسى والذل فرقان

عودي إلى الله عودًا مخلصًا ودَعِي موارد الكفر إن الكفر خسران

ومحصي الدرس من تاريخنا تَجِدِي العز ما كان إلا كان إيمان (60)

قال تعالى: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لايشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون )

( النور:55) .

سنملكُ أَمْرَ دنيانا إذا القرآن أحْيَانَا

ونورٌ في مفاوزنا وحكم في قضايانا

ما يحز في النفس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت