ويقول الإمام الغزالي: (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهمة التي ابتعث الله لها النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلا بعلمها، أو متقلدا لتنفيذها، مجددا لهذه السنة الدائرة، ناهضا بأعبائها، ومتشمرا في إحيائها, كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستمسكا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها ) ) (75) .
يقول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: ( إن الواجب على الأمة التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى, والصدق في ذلك في كل بلد وفي كل قرية وفي كل قبيلة, عليهم أن يتناصحوا ويتواصوا بالحق والصبر عليه, ويتعاونوا على البر والتقوى ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر حتى لا تصيبهم كارثة بسبب ذنوبهم ) (76) .
وقال رحمه الله: ( يتضح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات, وأن الأمة في كل مكان وزمان في أشد الحاجة إليها, بل في أشد الضرورة إلى ذلك) (77) .
بل حتى أن عدم إنكار المنكر بالقلب والذي حقيقته أن يتألم الإنسان وأن يكون كارها له (أي ليس إنكارا معرفيًا فقط بل أيضا إنكارًا وجدانيًا يتأثر به القلب وينفعل له) هو من أسباب استحقاق العقوبة, فعن جابر أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( أوحى الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها, فقال: يا رب ! إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال: قلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر فيَّ ساعة قط) (78) .
وهذا الجانب أي الإنكار الحقيقي بالقلب وحصول التألم عند رؤية المنكرات قَصر فيه العديد من الدعاة إلى الله فضلا عن عامة الناس.
يقول العلامة الكاندهلوي[ وهناك مئات من الأحاديث تحتوي على معنى الوعيد إذا لم يتألم المرء بالمنكرات، يعني إذا لم يقدر على تغييرها فلابد من أن يستنكرها ويتألم منها.
ولننظر الآن إلى الحالة التي نعيش فيها، ونفكر في العقوبات والبلايا التي نستحقها، بالنسبة إلى المعاصي والذنوب التي تصدر منا، وبالنسبة إلى تألمنا وقلقنا بالمنكرات التي نشاهدها، وكيف يرجى - وحالنا هذه - أن تستجاب دعواتنا، وتحل مشكلاتنا، وتنقرض المحن التي نعاني منها، ..وإذا كان الله لا يأخذنا بعذاب يفاجئنا، ونقمة تقضي علينا جميعا، فذلك بفضل رحمة الله علينا، ودعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ] (79) .
ولاشك أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تزداد أهميته في عصرنا الحاضر الذي يعتبر -كما يذكر ذلك العديد من علماء الأمة ومفكريها وكما نراه- أسوأ واقع مر على أمتنا الإسلامية سواء في بعدها عن الله أو في ضعفها وذلها العظيم, بل إن الواقع يخبر بأنها أصبحت أذل أمه على وجه الأرض (80) , فحتى الوثنيون وعبدة البقر والمتخلفون يستأسدون أكثر ما يستأسدون على المسلمين, وجراحها كثيرة جدا, ومن شتى الأنواع والأشكال, من إهانة للإسلام إلى ذبح المسلمين إلى ..إلى, ...وهذا بحد ذاته أي سوء واقع الأمة منكر عظيم يجب إزالته بكل الوسائل الممكنة, وكل الامة مسؤولة عنه, وأعظم مزيل له الدعوة إلى الله, ...فالله الله يا أمة الإسلام في هذا الركن العظيم في هذا المنكر العظيم.
وعلينا بذل غاية الجهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله, وتعظم المسؤولية بقدر ما أعطي المسلم من قدرات وإمكانيات مادية أو غيرها (81) مما يساعده على ذلك,.. ولنتذكر ونقرأ الآيات العظيمة من كلام ربنا التي تذكرنا بواجبنا في البذل والعطاء لدينه.
قال تعالى:) قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة:24) .
ومن المعروف أن الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر من أهم أسباب رفع العقوبات عن الأمم, لذا فمن الخطورة العظيمة معاداتهم والتصدي لهم, قال تعالى في الحديث القدسي ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) (82) , وهم ليسوا معصومين من الخطأ فهم بشر يصيبون ويخطئون, وإن كانوا مظلومين في واقعنا في كثير من الأخطاء التي تنسب لهم , وحتى عندما يخطئون في تصرف ما يتعلق بدعوتهم فكثيرا ما يكون سببه ردة فعل لخطأ أكبر حصل في مجتمعهم, ولكن على العموم إن أخطؤوا فيجب ألا يكون خطأهم دافعا للنيل منهم.
يقول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: (إن هؤلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم واجهة الأمة، هم الذين يذبون عنها أسباب العقاب والعذاب, فعلينا أن نناصرهم علينا أن نكون في صفهم, علينا إن أخطؤوا أن نعرفهم الخطأ وأن نحذرهم منه, وان نرشدهم إلى ما فيه الهداية, لا أن نجعل ما أخطؤوا فيه وسيلة لإزالتهم وإبعادهم) (83) .
خاصة أنهم ممن بدعوتهم يحصل بإذن الله رجوع للمسلمين إلى التمسك بدينهم الذي به يتحقق نصر الأمة وإنقاذها, ..فالوقوف في وجههم يعتبر إعانة لأعداء الدين وسببًا لاستمرار مذابح الأمة ومآسيها, حيث ستتأخر الوسيلة التي بها توقف هذه المآسي, والتي يعود بها للأمة العز والمجد والقوه, ألا وهي العودة والرجوع إلى الالتزام بشرع الله وأوامره ونصره تعالي كي ينصرنا.
تنبيه لا بد منه
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
لا شك أن أمتنا ابتعدت عن التطبيق الكامل للدين في أمور كثيرة, ووقعت في محظورات عديدة, بعضها في العقيدة وبعضها من الكبائر وبعضها من الصغائر, والانحرافات في العقيدة وتحكيم غير شرع الله والكبائر لاشك أنها الأهم لكن موضوع الصغائر يحتاج إلى تنبيه خاص؛
أولا: لأنه قليلا ما يذكر وينبه على خطره,..
وثانيا: لكثرة انتشار الصغائر وتساهل الكثير من المسلمين في شأنها,
وثالثا: لأن الكثير من المسلمين ممن نحسبهم من أهل الخير والفضل سلموا من الوقوع في الكبائر إلا أنهم مصابون بداء الإصرار على الصغائر ,.. وهذا خطير من جوانب عديدة, فعلماء الأمة أوضحوا قاعدة مهمة يجب الانتباه لها وهي أن الصغائر تصبح مع الإصرار كبائر (84) , كما قال ابن عباس رضي الله عنه: ( لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ) (85) , بل إن بعضهم ذكر أن كبيرة يعملها الإنسان ولكنه في نفسه نادم على عملها أرجى في المغفرة من صغيرة يصر عليها غير مبالٍ بنظر الله إليه وهو يعملها, فاستصغار الذنب يجعله عظيما عند الله .
يقول ابن القيم: ( هاهنا أمر ينبغي التفطن له, وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر, وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء, وعدم المبالاة, وترك الخوف ما يلحقها بالكبائر, بل يجعلها في أعلى رتبها ) (86) .