فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 2255

فلنعلم ان كل يوم يمضي لن يعود وسيسألنا الله عمًا عملناه في أيامنا ولنحذر أن يكون جوابنا أننا قد قضيناه في الاستماع إلى الأغاني وحضور الحفلات والولائم والديوانيات ولم نتفاعل مع هموم الناس، والحمدلله الذي جعل الاعمال هي المرجع والمقياس حتى للايمان والحمدلله الذي ذكرنا في أيات كثيرة في القرآن الكريم بأهمية العمل بقوله"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"والحمدلله الذي جعل الناس تصدق الاعمال فجعل من الفطرة احترام وحب وتقدير من يضحي بوقته وماله وصحته في سبيل الاخرين وما أكثر ما شاهدنا من بين قومنا من لا يتقنون غير التنظير والتحليل والكتابة والكلام، ولم نشاهد لهم أفعالا فهم بخلاء وأنانيون ولو كان الاحتكام للكلام لتساوى البخلاء والكرماء والصادقون والكاذبون والمنافقون والمخلصون فما اسهل الكلام وما اصعب العمل وهذا غاندي يعكس احساسه بالواقع في شبابه عندما سأله رجل رآه يركب في الدرجة الثانية في قطار: أنت غاندي وتركب بقطار الدرجة الثانية؟ فقال: لانه لم توجد هناك درجة ثالثة. فغاندي ترجم احساسه بفقر بلاده بأعماله ولهذا أثرت أعماله في مئات الملايين ولقد قيل"عمل رجل في الف رجل أبلغ من قول الف رجل في رجل".

وقال ابن تيمية"ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم الا بالشجاعة والكرم بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه ابدل الله به من يقوم بذلك ومن تولى عنه بانفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك" (28) ونقول ونكرر ان الانتماء للاسلام ليس هو انتماء اسمى أو وراثي كما يظن كثير من الناس بل هو أيمان وافعال والايات القرآنية واضحة جدا وجاءت بلسان عربي يفهمه كل عاقل فلا عذر لاحد. وتأملوا في قوله تعالى ?قل ان كان أباؤكم وأبناءكم واخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين? (24) سورة التوبة.

وذهب ملك سليمان

قال أبو عمران الجوني: مر سليمان بن داود عليهما السلام في موكبه والطير تظله والجن والانس عن يمينه وشماله قال: فمر عابد من عباد بني اسرائيل فقال: والله يا ابن داود لقد اتاك الله ملكا عظيما قال: فسمع سليمان كلمته فقال: تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطى ابن داود وما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى"فاذا كان ملك سليمان وما أعظمه من ملك قد ذهب، فهل سيبقى ما يسعى له أهل الدنيا من ثروة ومركز وجاه؟ وماذا نقول لمن شغل حب الدنيا قلوبهم فاندفعوا يعملون نهارا ويسهرون ليلا وكل اعمالهم تدور حول الاستثمار في الدنيا وليس للاخرة نصيب من وقتهم أو مالهم ولا حتى من تفكيرهم؟ يقضون نهارهم في السعي لاجل المال أو الشهرة أو المركز أو غير ذلك بينما يجعلون ليلهم لراحتهم وحفلاتهم وشهواتهم، كل همومهم تدور حول شراء سيارة أو بناء بيت أو بيع عقار أو استيراد بضاعة. ماذا نقول لاهل الدنيا الذين اتبعوا أهواءهم ومصالحهم وتخلوا عن حمل راية الاسلام؟ فلا غيرة لهم على دينهم أو أوطانهم وما أكثر أهل الدنيا فينا وأخشى أن لا نصحو من غفلتنا الا بالموت وهي صحوة نتأخرة لا تنفع قال تعالى ?حتى اذا جاء أحداهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا أنها كلمة هو قائلها ومن ورآئهم برزخ الى يوم يبعثون (100) ? (سورة المؤمنون) ."

نقول لاهل الدنيا ان المال لا يجلب السعادة ولا يصنع الرجال والغريب أن الذين يتفاخرون بأموالهم وعقاراتهم كأنهم يقولن أن قيمة الانسان بما يملك وهذا اعتراف منهم بأنهم اذا فقدوا ثروتهم فلا قيمة لهم وحقيقة الامر أن هذه هي قيمتهم الفعلية عند الله ورسوله والعقلاء. وأهل الدنيا حريصون على توفير المال لأبنائهم وتشجيعهم على الدراسة حتى يصبحوا أطباء ومهندسين ومحامين وهم ليسوا بحريصين على تعليم أبنائهم الصلاة والاخلاق فالمهم أن ينجحوا في متطلبات الدنيا وليس مهما أن ينجحوا في متطلبات الاخرة فالخسارة هي أن نخسر مناصبنا وأموالنا أما ان نخسر الاخرة وديننا وشرفنا وصدقنا فهذه خسارة بسيطة وتعصب لا داعي له فما أسوأ ما نربي أبناءنا عليه.

وأهل الدنيا أنواع فمنهم من لم يستعبده المال لقلة طمعه فيه ولكن استعبده المنصب والجاه فلا هم له الا الطواف حول الكرسي والسجود لمن يملكه فتجد هؤلاء ينافقون لرؤسائهم في العمل أو ينافقون للشعب هم يجاملون الحق والباطل فالمهم عندهم الوصول للمنصب وكم للمناصب من عبيد صرفوا المال والوقت والجهد فمنهم من وصل ومنهم كثيرون لم يصلوا؟ ومن وصل لم تدم له ولو دامت لغيره ما اتصلت اليه وليتهم تذكروا أن ملك سليمان لم يدم.

ونقول لهؤلاء جميعا كل أعمالكم ستحاسبون عليها ولن ينفعكم من حرصتم على ارضائهم ان كنتم اسخطتم ربكم ولقد حذركم رسول الله (e) حين قال"لاطاعة في معصية الله انما الطاعة في المعروف" (29) وعموما فنحن لسنا ضد أهل الدنيا فهم أحرار في اختيارهم ولكننا أردنا أن نحذر من أن نكون منهم أو تكون فينا بعض صفاتهم واردنا أن تنتبه أمة تسعى إلى السعادة والتقدم على خطر هؤلاء فتنبذهم فأمه لا تعرف الاحرار من العبيد غير قادرة على اختيار قيادات صالحة وعزيزة، فلنبتعد عن بيئة لا تحرص على العلم والعمل الصالح وحبها للدنيا كبير قال ?واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا? (سورة الكهف) ولنتأمل طويلا في قول الرسول (e) "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المر على المال والشرف لدينه" (30)

والمطلوب هو تحرير النفس من حب المال والمظاهر والازياء والمناصب والالقاب والاهواء قال رسول الله (e) "فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما اهلكتهم" (31) وقال رسول الله (e) "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وحعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (32) وإليكم أخيرا بعض ما قاله أهل العلم في موضوعنا اخترت معظمها من كتاب الأخ عبدالملك الكليب"من روضة الزاهدين":

1.قال حسن البصري: والذي نفسي بيده لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه.

2.عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: انما أهلك من كان قبلكم هذا الدينار والدرهم وهما مهلكاكم.

3.قال سفيان الثوري"الزهد في الدنيا قصر الامل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العبا".

4.قال الفضيل"ان قدرت أن لا تعرف فافعل وما عليك ان لم يثن عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس اذا كنت عند الله محمودًا".

5.قال ابو الدرداء:"اللهم أني اعوذ بك من تفرقة القلب قيل وما تفرقة القلب؟ قال أن يوضع لي في كل واد مال".

6.عن محمد بن زيد قال سمعت سفيان الثوري يقول: بلغني أنه يأتي على الناس زمان تمتلي قلوبهم في ذلك الزمان من حب الدنيا فلا تدخله الخشية قال سفيان: وانت تعرف ذلك اذا ملأت جرابا من شئ حتى يمتلئ فاردت ان تدخل فيه غيره لم تجد لذلك من خلاء.

7.قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيئ فيها قالوا: وما هو يا ابا يحيى قال معرفة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت