والتأثر المطلوب ليس هو التأثر اللفظي أو الوقتي بل هو الذي يتم ترجمته إلى أفعال وهناك للاسف أجابات جاهزة تبرر تجاهلنا لواقع أمتنا ولا مبالاتنا، فهناك المقتنع بأن الدائرة المسؤول عنها تقتصر على نفسه أو اسرته أو بلده، وهناك المقتنع بأنه حتى لو عمل فلن يكون لعمله اثرأو فائدة فالتخلف شديد وهناك من يقول أنني في لا مبالاتي أفعل ما يفعله الاخرون، أو من يضمن لي أن ما ابذله من مال سيصل الى شخص محتاج؟ وما أكثر التبريرات التي نستخدمها، ولكنها مرفوضة شرعا فلكل مشكلة حلول، وتبرير الكسل واللامبالاة انحراف كبير عن الصراط المستقيم وليس هذا مجال التفصيل فمثلا لا يسال الانسان يوم القيامة عما فعله الناس بل يسال عما فعله هو اي هو مسؤول عن كسله ولا مبلاته.
فانحراف الناس لا ينفعك ولا يضرك وباختصار فان قاموس التبريرات الواهية لن يفيد الانسان اللامبالي وهو لا يخدع الا نفسه. وكثيرا ما وجدنا نتائج عدم المبالاة تعم الجميع أو الاغلبية، فاذا شب حريق في بيت جارك فان النار ستصل لبيتك اذا لم تساعده، فقد يصيبك من مساعدة جارك في اطفاء الحريق جروح بسيطة ولكن ان لم تفعل قد يسبب الحريق لك كارثة وفي حكاية الاسد والثيران الثلاثة التي اتبعت اسلوب اللامبالاة عبرة كبيرة، فتبريرات الاسد أقنعت ثورين من الثيران باتخاذ موقف اسلوب اللامبالاة ولهذا افترسهم جميعًا، وقال الثور الاخير حكمة خالدة وهي"أكلت يوم أكل الثور الابيض"فكأنه قال بأن اللامبالاة تهلك الافراد والأمم.
ونحن مطالبون كأفراد وحكومات وتكتلات تذكير المواطن العربي بمشاكله والصعوبات التي تواجه الامة فعلاج المشاكل يكون بمعرفتها وتتبع جذورها ووضع الحلول وليس بتجاهلها، فمعرفة المشكلة نصف الحل وكشف نقاط الضعف هو قوة وشجاعة وحكمة وتجاهلها هو الضياع فالواقع لا تحركه الا الحقائق سواء نشرناها ام كتمناها، فاليابان وهي البلد المتطور تكنولوجيا تعلم أطفالها بأن بلدهم في خطر اذا لم يعلموا بجد واجتهاد فالموارد محدودة وبذلك تزرع في نفوسهم الاحساس بالمشكلة والاندفاع للعمل أما نحن فنعيش في قلب الخطر والمعاناة والمرارة ومع هذا نتصرف كأننا نعيش في رخاء وتقدم وليت الجمعيات التربوية والخيرية تقوم بتنظيم رحلات لشبابنا ورجالنا ونسائنا ليشاهدوا صورا على الطبيعة من واقعنا العربي والاسلامي، ونريد رحلات لا تتعامل مع فنادق الدرجة الاولى ولا مع الشوارع الرئيسية بل مع واقع الاغلبية، وهناك دروس كثيرة في عالمنا العربي اذا قرأنا الواقع بصورة صحيحة فإنه من شاهد فقراء بنغلاديش سيري الفقر ومن راى ليس كمن سمع ومن شاهد جراح اطفال أفغانستان سيتعلم اشياء كثيرة ولا سعادة لامة لا تعرف قراءة واقعها التي هي ضرورية حتى جعلها بعض العلماء شرطًا للاجتهاد وكلما كنا كنا قادرين على قراءة الواقع السياسي والاداري والاخلاقي كلما كنا أكثر صوابا في قراراتنا واجتهادتنا وأفكارنا فان هذا وليس الشعارات والاقوال تعطينا تصورا صحيحا عن وضع الشعوب وبالتالي يمكننا وضع خطط تتناسب مع كفاءة الشعوب وما تعلق عليها من أمال.
ان مرارة الواقع تعنى ان المعركة بل المعارك هي على اشدها فكيف يتصرف الجنود في قلب المعركة؟ اليس باستغلال كل دقيقة في صناعة أو حراسة أو توفير أو تخطيط ونخطئ اذا ظننا أن المعارك العسكرية والسياسية والاقتصادية تحددها خطوط المواجهة وساعاتها بل نتائجها تحددها سنوات الاستعداد والعمل الطويلة التي تمت قبل ذلك فليسأل كل واحد فينا نفسه ماذا قدم وهل أخلص في عمله؟ وهل تبرع بجزء من ماله؟ وهل قال كلمة الحق؟ وهل أعطى جزءا من وقته لعمل خيري او تربوي أو غير ذلك والاحساس بمرارة الواقع يجب ان يترجم في كل مجال واحد أهم المجالات هو في استخدامنا للمال، اننا نحتاج الى الكثير من الترشيد في هذا المجال وعلى القادرين فينا ان يقوموا بإثبات احساسهم بواقع الامة فحسن استخدام المال يعالج مصائب كثيرة فلنبتعد عن المظاهر والعادات والتقاليد التي نتمسك بها رجالا ونساء وليست من الشرع في شئ فالمبالغ التي نصرفها على المهور وحفلات الزواج والفساتين هي مبالغ طائلة واذا اضفنا لها التبذير في المساكن والسيارات والرحلات والاثاث والولائم تصبح عندنا بلايين ضائعة فليس قيمة المراة فيما تلبس من فساتين والجمال لا تصنعه المساحيق وغيرها وقيمة الرجال لا يدخل في حسابها ما يملكون من مال وعقار وتجارة، فقد كان الصحابة رجالا تتجسد فيهم معاني الرجولة مع أنهم كا نوا لا يملكون شيائا أو يملكون القليل وكانت ثياب بعضهم ممزقة ونحن لا ندعو للامتناع عن الطيبات ولكن ندعوا الى حسن استخدام المال فالله هو الذي رزقنا والمال مال الله ونحن مستخلفون فيه وسيسألنا الله عما فعلناه به قال تعالى ?والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذقوا ما كنتم تكنزون? (35) سورة التوبة ولان كثير من المال يبذر في القضايا الاجتماعية فاننا ندعو المراة المسلمة بأن تثبت احساسها بالواقع في توفير المال وانفاقه على المحتاجين والمشاريع الخيرية والدنانير القليلة التي توفرها المراة من اكتفائها بفساتين قليلة من شأنها أن تسعد عائلات كثيرة، والمراة اليوم حصلت على كثير من حقوقها فلتساهم في بناء المجتمع الذي لا يكون بشراء الفساتين والجري وراء الموضة والاناقة والتباهي بالمسكن والاثاث والمجوهرات وطبعا بعض النساء بحاجة للذهب والموجوهرات حتى تصبح لهن قيمة وليت نساءنا يعلمن بأن جمال المراءة الدائم والاصيل هو جمال اخلاقها وحنانها وعطائها أما جمال الفساتين والذهب فهو جمال مزور يتعامل فقط مع القشرة الحارجية ومع الجسد وليس الروح وما أكثر وللاسف ما نحرص على الجمال المادي واكتسابه وما اقل ما نحرص على الجمال الروحي واكتسابه ومن ترشيد استخدام المال ان يصطاف من يريد منا في البلاد العربية والاسلامية، والسياحة صناعة تدر البلايين لو احسنا استخدامها، وعموما فان جروح الامة عميقة وكثيرة، فلنتأثر بهذه الجروح وليظهر هذا التأثر في اعمالنا واقوالنا وسلوكنا والا فنحن أنانيون لا تهمنا الا مصالحنا الدنيوية التي سرعان ما تتلاشى والمبكي هو أننا قد نكتشف متاخرين أن ما ظنناه حكمة وذكاء ومصلحة تحول الى جهل وغباء وضرر ففي الاسلام خير الناس أنفعهم للناس والرسول (e) تاثر بمصائب الناس ومشاكلهم. اما تجاهل مصالح الامة وجروحها فليس فيه فقط هلاك للامم والشعوب والمجتمعات والمؤسسات والاسر بل هو ايضا هلاك للفرد نفسه لان الانسان مسؤول أمام الله عن اهماله وأنانيته وهو بذلك قد عرض نفسه لسخط الله وغضبه وحرم نفسه من ابواب عظيمة للخير والثواب فقد غفر الله لمن سقى كلبًا عطشانا فكيف بمن أحس باحساس اخيه الانسان واروى ظمأه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من نفس عن مؤمن كربه من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والاخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والاخرة، والله في عون العبد ماكان في عون أخيه" (27) .
فهل في اللامبالاة التي نشاهدها حكمة؟ وهل هناك أعمال قادمة تثبت فعلا أننا نريد أن نتصرف كمسلمين؟ ام أن اكثرها ما نقدر عليه هو أن تتاثر نفسياتنا دون أن يكون هناك رد فعل عملي؟