فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 2255

ابتلينا والحمد لله على كل حال ببعض المثقفين الذين لا يؤمنون بأن اخطر أعدائنا هي معاصينا، فالطاعات هي سبب كل خير وسعادة ونصر، والمعاصي هي سبب كل شر وشقاء وهزيمة، قال ابن القيم [وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الامم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على ان التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والاحسان إلي خلقه من أعظم الاسباب الجالبة لكل خير واضدادها من أكبر الاسباب الجالبة لكل شر فما استجلبت نعم الله تعالى وأستدفعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه والاحسان إلى خلقه وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والاخرة وحصول الشرور في الدنيا والاخرة في كتابه على الاعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب وهذا في القرأن يزيد على ألف موضع فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والامر الشرعي على الوصف المناسب له كقوله تعالي ?فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين? سورة الاعراف، وقوله ?فلما ءاسفونا انتقمنا منهم? سورة الزخرف] وقال عبدالله بن مسعود"إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذن الله عز وجل بهلاكها"وقال ابن القيم [وها هنا نكته دقيقه يغلط فيها الناس في أمر الذنب وهي أنهم لايرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسى"] . وقال ["وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم أزالت من نعمة؟ وكم جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلا عن الجهال؟ ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل] ، ولقد بين الله سبحانه وتعالى ان رحمته للمحسنين والطائعين والتائبين وليست للعاصين قال تعالى ?ان رحمة الله قريب من المحسنين? سورة الاعراف، وقال ابن القيم [فيالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله اذا لقوه ومظالم العباد عندهم فان كان ينفعهم قولهم حسنا ظنونا بك أنك لم تعذب ظالما ولافاسقا فليصنع العبد ما يشاء وليرتكب كل ما نها الله عنه وليحسن ظنه بالله فان النار لا تمسه فسبحان الله؟ما يبلغ الغرور بالعبد وقد قال ابراهيم لقومه ?أئِفكا آلهة دون الله تريدون؟ فما ظنكم برب العالمين? سورة الصافات، اي ما ظنكم به ان يفعل بكم اذ لقيتموه وقد عبدتم غيره ومن تأمل هذا الموضوع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه فان العبد انما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله والا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز كما في الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس عن النبي (e) "قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله"وبالجملة فحسن الظن انما يكون مع انعقاد أسباب النجاة واما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتي إحسان الظن] .

وقال الحسن"ان قوما ألهتهم أماني المغفرة حتىخرجوا من الدنيا بغير توبه يقول أحدهم: لأني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل"ومما يثبت كذب هؤلاء قوله تعالى ?إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله واولئك هم الصادقون? سورة الحجرات، فمن عمل هذه الاعمال فهو الصادق ولا عذر لمن علم، وقال ابن القيم [ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف] ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الكثيرين لا يقدرون بصورة سليمة خطر تقصيرهم في العبادات أو فعلهم للمعاصي فقد جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه قال"انكم لتعلمون أعمالا هي ادق في أعينكم من الشعر وان كنا لنعدها على عهد رسول الله (e) من الموبقات"وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال"أن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه وان الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار"واليكم بعض الادلة الواضحة للارتباط القوي بين المعاصي والخسران في الدنيا والاخرة وبين الطاعات والفوز في الدنيا والاخرة.

1-المعاصي تذهب الخيرات وتزيل النعم وتجلب المصائب:

قال ابن القيم [ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة الا بذنب ولا حلت بعبد نقمة الا بذنب كما قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه"ما نزل بلاء الا بذنب ولا رفع الا بتوبة"وقد قال تعالي ?وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير? سورة الشورى، وقال تعالى ?ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم? سورة الانفال] وقال ابن القيم [ومن أثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الارض أنواعا من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن قال تعالى ?ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون? سورة الروم] .

2-حرمان العلم:

المعاصي تذهب العلم وتزرع الجهل، والطاعات تورث الحكمة والبصيرة والامم المطيعة هي الامم المهتدية والقوية لان البناء في نور العلم ليس كالبناء في ظلمات الجهل فالصواب في الاسس والاجتهادات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعقائدية مرتبط ارتباطا وثيقا بالطاعات قال تعالى ?ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور? سورة النور، وقال تعالى ?يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولو الالباب? سورة البقرة، فجهل الشعوب وتخلفها العلمي لا يعالج فقط ببناء المدارس والجامعات بل لا بد من العمل بالطاعات واجتناب المعاصي. ولنفرق بين العلم والمعرفة النظرية للحق والصواب فالطاعة تحول ما ندرس من معلومات صحيحة وأخلاق فاضلة إلى واقع عملي نطبقه والمعصية تجعله مثاليات ندرسها ولكننا لسنا على استعداد لتطبيقها، وبالتالي فبركة المعرفة ونور العلم لا تظهر في المجتمعات العاصية فالعلم بدون تطبيق كالجهل تماما. قال ابن القيم [لما جلس الامام الشافعي بين يدى الامام مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال: اني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية] .

3-المعاصي تسبب نسيان الله للعبد ونسيان العبد لنفسه:

قال ابن القيم [ومن عقوباتها أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بين وبين نفسه وشيطانه وهناك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة. قال تعالى ?يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله أن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون? سورة الحشر، فامر بتقواه ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الابدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها وقال ابن القيم ["ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه واضاعته فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم واما أنساؤه نفسه فهو أنساؤه لحظوظها العالية واسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وما تكفل به ينسيه ذلك جميعه فلا يخطر بباله ولا يجعله على ذكره ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه فأنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره ايضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها] ."

4-الذل من نتائج المعاصي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت