أما هيكل فساق هذه القصة من رواية المستشرق درمنغم كما قال ،والذي استخلصها من كتب السيرة ، وكان المفروض والذي يحتمه المنهج العلمي أن يرجع إلى كتب الحديث والسيرة التي تروي هذه الحادثة لا إلى كتب المتشرقين ،لكنه لا يطمئن إلى تلك الكتب إلا بقدر ما ينقل عنها هؤلاء،وهذا عجيب في ميدان البحث العلمي،وغريب.بل يطالعنا الدكتور هيكل برأي غريب وتساءل هل سبق إليه أم لا ،وخلاصته أن في الإسراء والمعراج تحققت وحدة الوجود في شخص محمد صلى الله عليه وسلم!،يقول: (فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها.. تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد واجتمع الكون كله في روحه فوعاه منذ أزله إلى أبده، والإسراء بالروح هو في معناه كالإسراء والمعراج بالروح جميعا سموا وجلالا وجمالا ، فهو تصوير قوي للوحدة الروحية من أزل الوجود إلى أبده) 128.
واضح أن هيكل تأول هذه المعجزة على أنها إسراء بالروح فحسب، ولو وقف عند هذا الحد لهان الأمر،لكن أن يتأولها بوحدة الوجود فهذا غاية الضلال ومنتهى الخبال.يقول الشيخ مصطفى صبري: (وإني جد متعجب من أن كاتبا كبيرا في طليعة الأدباء والعقلاء في مصر مثل الدكتور هيكل باشا يأبى عقله أن يؤمن بمعجزات أنبياء الله الكونية فينكرها،في حين أنه يقبل خرافة الوجود المستحيلة حتى يفسر بها معجزة الإسراء، ومعناه أنه لا يؤمن بالمعجزة حالة كونها ممكنة ، ويؤمن بها عند تصويرها في صورة المحال) 129.
قلت: وهذا غاية الجهل والضلال وطمس البصيرة ، ولو كان هيكل يحترم عقله ويلتزم المنهج العلمي كما يدعي، لما سمح لنفسه أن يذهب في تأويل هذه المعجزة الباهرة هذا المذهب البعيد، ويفتخر بذلك ويتساءل هل سبق إليه أم لا .بل حتى منطق العلم الذي يدعي هيكل أنه لا يقر المعجزات أصبح اليوم يؤكد هذه الحقيقة ، حقيقة الإسراء والمعراج بعد غزو الفضاء وتفتيت الذرة وتحويل المادة إلى طاقة وتحويل الطاقة إلى مادة130.علما بأن مثل هذه المعجزات لا تتوقف صحتها على ما تتمخض عنه الاكتشافات العلمية الحديثة ، وإنما المقياس المعتبر في ذلك أن تصلنا عن طريق صحيح، أما هذه الاكتشافات فتأتي لتؤكد الحقائق الدينية لا لتثبتها من الأصل. وإذا كنا نسلم اليوم بارتياد الإنسان للفضاء مع ضعفه وجهله وقصوره، فكيف نستبعد على الله عز وجل العليم القدير أن يسري بنبيه محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويعرج به إلى السماوات العلى؟ إن التسليم بالأول واستبعاد الثاني دليل على جهل الإنسان بربه، وعدم إدراكه لطلاقة القدرة الإلهية (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) 131.
2/معجزة انشقاق القمر:
وهي معجزة ثابتة بنص القرآن ، وبالأحاديث الصحيحة.أما القرآن فقوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) 132.وأما الأحاديث فقد صحت عند الشيخين من حديث عبد الله بن مسعود133 وأنس بن مالك134 وعبد الله بن عباس135، ومن حديث عبد الله بن عمر عند مسلم والترمذي136، وغيرهم.
وقد أنكر هذه المعجزة جمهور الفلاسفة قديما ومتمسكهم أن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الخرق والالتئام ،وهو جهل منهم بقدرة الله عز وجل في هذا الكون، ومطلق تصرفه في مخلوقاته، قال الزجاج في معاني القرآن: (أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ولا إنكار للعقل فيه لان القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم البعث ويفنيه) 137.
وحديثا أنكر بعض رواد المدرسة العقلية الحديثة هذه المعجزة جريا على نهجهم في إنكار المعجزات، وفي مقدمتهم رشيد رضا الذي شكك في تواتر روايات هذه الحادثة، واعتبر القول به زعما باطلا،وأنه لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله بالتواتر لشدة غرابته،ولنقله جميع من شاهده138. ورد رواية الشيخين لها بدعوى أن حديث أنس وابن عباس من مراسيل الصحابة،وأن حديث ابن عمر ليس فيه أنه حدث عن رؤية،ثم لاختلاف هذه الروايات وتعذر الجمع بينها139،فضلا عما فيها من خبر بوقوع تغير في النظام الكوني العام، وهو ما لا يصدق إلا بخبر قطعي ثابت140.كما أن الموقف القرآني من عدم إجابة الكفار إلى ما طالبوا به من الآيات يرد حديث أنس الذي فيه أن هذه المعجزة وقعت جوابا على سؤال المشركين141.
هذه جملة الدعاوى التي استند إليها رشيد رضا لإنكار هذه المعجزة،وشاركه القول في عدم تواترها الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسيره،وزعم أنه ما ادعى أحد من المسلمين تواترها إلا من شذ !وقال: (إن انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة التي لو حصلت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلغ حدا لا يمكن أحدا أن ينكره) 142.
أما تواتر هذه المعجزة الباهرة فهذا مما قد قال به جماهير العلماء قديما وحديثا، قال القاضي عياض: أما انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه ، و أخبر عن و جوده ، و لا يعدل عن ظاهر إلا بدليل ، و جاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة ، و لا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين ، و لا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء المؤمنين ، بل نرغم بهذا أنفه ، و ننبذ بالعراء سخفه .
143وقال أيضا: ( أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي ، وإعراض الكفرة عن آياته ،وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه) 144.وقال ابن كثير: ( وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة) 145.وقال عنه أيضا: (وهذا متواتر عنه عند أهل العلم بالأخبار وقد رواه غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم) 146.وممن نص على تواتره من المتأخرين الشوكاني147 ومحمد بن جعفر الكتاني148.فكيف يكون القول بتواتره زعما باطلا كما يدعي رشيد رضا؟ ألا إن ما زعمه هو الباطل حقا.وكيف يزعم الشيخ المراغي أنه ما ادعى أحد من المسلمين تواترها إلا من شذ. ألا إن قوله هذا هو الشذوذ بعينه!
وأما ما استندوا إليه لنفي تواتره بأنه لو وقع لرآه من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلغ حدا لا يمكن أحدا أن ينكره ،ولنقله جميع من شاهده، فقد أحسن في الرد على ذلك ثلة من العلماء ،وأحكموا الاستدلال له، منهم أبو إسحاق الزجاج في كتابه ( معاني القرآن) قال: (أما قول بعضهم لو وقع لجاء متواترا واشترك أهل الأرض في معرفته ولما اختص بها أهل مكة، فجوابه أن ذلك وقع ليلا وأكثر الناس نيام والأبواب مغلقة وقل من يراصد السماء إلا النادر وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا يشاهدها إلا الآحاد فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها ويحتمل أن يكون القمر ليلتئذ كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يظهر الكسوف لقوم دون قوم) 149.وبنحو ه قال القاضي عياض ،وزاد: (وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم وطوالع عظام تظهر في الأحيان بالليل في السماء و لاعلم عند أحد بها) 150.
وأما رد رواياته بدعوى أنها من مراسيل الصحابة، وأن رواتها لم تحصل لهم رؤية هذا الانشقاق باستثناء عبد الله بن مسعود،فليس على إطلاقه،لأن من رواته جبير بن مطعم151 وحذيفة بن اليمان152،وقد حصلت لهم المشاهدة كما حصلت لعبد الله بن مسعود153 .