فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 2255

وأما الدعوى بأن هذا مما لا يصدق إلا بخبر قطعي ثابت إذ فيه خبرا بوقوع تغير في النظام الكوني العام، فأي خبر أقطع من القرآن وقد أخبر بوقوعه؟وتواترت على ذلك الأحاديث عند الشيخين وغيرهما.وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا.ألا يكفي هذا كله لإفادة القطع واليقين؟!

وممن أنكر أيضا هذه المعجزة الباهرة الشيخ دروزة، ومستنده في ذلك الموقف السلبي للقرآن إزاء تحدي الكفار،أي عدم إجابة القرآن مطالبة الكفار بالآيات .ورد ما رواه كثير من المفسرين من أن هذه المعجزة وقعت جوابا على تحدي الكفار كمارد ما ذهب إليه جمهورهم من كون الآيات الأولى من سورة القمر تشير إلى هذه المعجزة،ورأى هذا القول موضع نظر لأمرين: لكون السورة من المبكرات الأولى للنزول، وثانيا لم يحك في السور النازلة قبلها عن الكفار تحد وطلب بإتيان معجزة.ورجح ما ذهب إليه بعض المفسرين من حمل قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) 154على معنى أنه مقترب،أي أنه من أشراط الساعة،واعتبر هذا المذهب وجيها وينسجم مع الموقف السلبي للقرآن الكريم155.

أما دعوى أن الانشقاق ما كان جوابا على سؤال المشركين فباطلة، والمعتمد ما في الصحيح، أخرج البخاري من حديث أنس بن مالك (أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما) 156.والحديث صريح في أن انشقاق القمر كان جوابا على تحدي الكفار.قال ابن حجر: ( ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس فلعله سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم) 157.

وأما ما رجحه دروزة من حمل بعض المفسرين الآية على أنه من أشراط الساعة،فمرجوح، والراجح ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الإنشقاق حقيقة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم،بدليل ما بعده من قوله تعالى: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) 158،فإنه ظاهر في أن المراد بقوله تعالى: (انشق القمر) وقوع انشقاقه،لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة،وإنما قالوه في الدنيا بعد وقوعه إعراضا عن الآية وزعما منهم بأنها سحر159.

يقول الشوكاني: (والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ واستبعاد من استبعد ) 160. ويقول الشيخ مصطفى صبري: (لو لم ينشق القمر في عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولم يشاهده أعداؤه المشركون في مكة لكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية وصار تكذيبهم المؤدي إلى تبين كذبهم حادثة هامة أدعى إلى تناقل الأسنة والأقوام لها من تناقل حادثة الانشقاق نفسه التي ربما لا يطلع عليها غير أهل مكة لإهمال ترصدها في وقتها أو لغيم يسترها أو لحسبانها حادثة من الحوادث العجيبة التي تدرك أسبابها ولا تضبط في ذلك الحين) 161.

3/معجزات الهجرة:

كإخبار الله عز وجل رسوله بمؤامرة قتله ،وخروجه على الملأ الذين تربصوا به ، وقصة سراقة .. لكن عبد الرحمان الشرقاوي في كتابه (محمد رسول الحرية) تغافل عن ذكر هذه المعجزات، كما تغافل عن غيرها، وذلك لأنه يكتب عن محمد الإنسان وليس عن محمد النبي!162وتساءل قائلا: ( أين محمد إذن؟ كيف خرج وإلى أين مضى ، أيكون قد تسلل من كوة في ظهر بيته؟ أيكون قد عبر من سطح إلى سطح حتى بيت أبي بكر ؟ وكيف عرف ما أعدوا له؟ أيكون أحد الذين اتفقوا بالمسجد قد رق لمحمد فأبلغه؟) 163.ولحاجة في نفسه يطرح الكاتب السؤال بهذا الشكل،ذلك أنه أقصي عنصر الوحي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وجعله يتصرف من عنده كما يتصرف سائر البشر، وليس نبيا أوحى إليه.وما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو بشر لا يعلم الغيب أن يعلم بما يدبره المشركون لولا أن أعلمه الله إياه، كما هو صريح القرآن الكريم: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) 164.

وعن قصة سراقة في مطاردته للنبي صلى الله عليه وسلم ، يقول: (وفرح قائد الفرسان واندفع بحصانه إلى محمد صلى الله عليه وسلم عبر صخور جرداء وعرة منحدرا إلى الأخدود ولكن الحصان تعثر به، وأوشك أن يطرحه على الصخور فيدق عنقه، وتشاءم قائد الفرسان فعاد من فوره دون أن يخبر أحدا ممن كانوا معه بما رأى!) 165.

فانظر كيف لوى عنق هذه المعجزة ،وكيف جعل الأمر مجرد حصان تعثر،ولا شيء بعد ذلك!وقريب من هذا ما ذهب إليه هيكل في شأن هذه المعجزة إذ اعتبر الأمر مجرد إجهاد لحق الفرس،وخطأ ارتكبه الفارس ،يقول: (وكان جواد سراقة قد كبا به قبل ذلك مرتين لشدة ما جهده، فلما رأى الفارس أنه وشك النجاح وأنه مدرك الرجلين فرادهما إلى مكة أو قاتلهما إن حاولا عن نفسيهما دفاعا نسي كبوتي جواده ولزه ليمسك به ساعة الظفر ، لكن الجواد في قوته كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج في سلاحه) 166.

فانظر رعاك الله شأن معجزات النبوة عند هؤلاء الكاتبين الذين لمعت أسماؤهم في سماء مصر وبلاد العرب،وكيف يتكلفون الكلام وينمقونه ويتمحلون في محاولة يائسة للتلبيس على القارئ وإيهامه أن الأمر في هذه القصة وأضرابها لا يعدو ما جرت به العادة في حياة الناس ،ويألفه العقل، وأن لا مكان لشيء اسمه المعجزة حتى ولو نطق بذلك القرآن الكريم وصحت به الأحاديث !.ألم يقل سراقة ، بعد أن حكى محاولته اليائسة اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم: (..ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) 167.لقد أيقن سراقة بعدما لقي ما لقي أن في الأمر سرا،وأنه فوق طاقة البشر،وأن هذا الذي يطارده ليس بشرا عاديا، بل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ممنوع منه ، فلم يتمالك أن نادى بالأمان.أفيكون الشرقاوي وهيكل وأضرابهما أدرى بأمر سراقة من سراقة نفسه؟!.

تلكم كانت نماذج من موقف بعض المعاصرين من المعجزات النبوية ،وهي مواقف تعبر عن ضعف الإيمان وجهل بالدين وبالنبوات،كما تعبر عن انهزام مؤسف وانصياع ذليل للعقلية الغربية. وإن إنكار المعجزات بدعوى خروجها عن المألوف، أو كونها لا تتفق والمعقول، أمر غير منطقي، لأن المعجزة أصلا ما سميت كذلك إلا لخروجها عن المألوف، وعدم خضوعها لمقاييس العقل. يقول الدكتور محمد محمد حسين: (من الواضح أن الذي ينكر المعجزة لغرابتها عن المألوف خليق أن ينكر الوحي نفسه لأنه أمعن في الغرابة وفي الشذوذ عن المألوف، والذي يعتقد حقا أن النبي صلى الله عليه وسلم ينزل جبريل عليه السلام مرسلا من عند الله سبحانه وتعالى كيف يكبر عليه أن يسلم بما يجري الله على يديه من غرائب وما يحفه من أسباب الرعاية التي تخالف مألوف العادة ؟) 168.

خاتمة:

نخلص من هذه الدراسة إلى الملاحظات الآتية:

1-إن الكتابة العربية المعاصرة في السيرة النبوية قد توزعتها اتجاهات شتى،وحاول كل اتجاه توظيف السيرة النبوية لخدمة أغراضه وأهدافه،وهذه الكتابة بحاجة إلى مزيد اهتمام من قبل الباحثين والدارسين تحليلا ونقدا، لبيان مالها وما عليها خدمة للسيرة النبوية ،وبيانا للحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت