وأما الدكتور هيكل فقال: (..كان وباء الجدري قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به، وكان فتكه ذريعا لم يعهد من قبل قط ،ولعل جراثيم الوباء جاءت مع الريح من ناحية البحر!) 113. والغريب أن هيكل الذي يتكلف هذا التأويل الغريب يأتي بعد ذلك فيسوق سورة الفيل التي تؤرخ لهذا الحدث المعجزة،وهي صريحة في أن هلاك أبرهة وجيشه كان بفعل الطير التي تحمل حجارة من سجيل، فكيف يعدل عن صريح السورة إلى تأويل هذه المعجزة بجراثيم الوباء التي ربما جاءت مع الريح من ناحية البحر!
وممن نحا هذا المنحى أيضا الدكتور جواد علي في كتابه (تاريخ العرب في الإسلام -السيرة النبوية-) 114حيث عزا هزيمة الأحباش إلى انتشار وباء خبيث فتك فيهم وأهلك أكثرهم.والغريب أن هذا الذي تبناه الكاتب هو نفسه داخل في جملة ما عابه على من يفسر القرآن بالأهواء أي ما يطلقون عليه الطريقة العصرية للموافقة بينه وبين العلم الحديث.
2-معجزة شق الصدر:
وقد صح بها الحديث، أخرج الإمام مسلم من حديث أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال:هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره) 115.
لكن هذه المعجزة لم تصح عند نفر من كتاب السيرة في العصر الحديث أمثال طه حسين وهيكل.يقول طه حسين: (وأي بأس على المسلمين في أن يسمعوا أن نفرا من الملائكة أقبلوا إلى النبي وهو يلعب فأضجعوه وشقوا عن قلبه وغسلوه حتى طهروه ثم ردوه كما كان،وأقاموه كأنه لم يصبه مكروه؟لم يصح الحديث بهذا ! ولكن المسلمين يتحدثون به ويستمعون له منذ أكثر من اثني عشر قرنا لم يفسد لذلك ذوقهم ولم يضعف إيمانهم ) 116.
وأما هيكل فساق هذه القصة، وذكر احتياط ابن إسحاق والطبري في روايتها،ثم شكك في صحتها ورآها ضعيفة السند، اعتمادا على المستشرقين، وذكر منهم سير وليم موير ودرمنجم، ثم برر مواقفهم قائلا: (وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق، وهم يجدون في هذا من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربي كل ما لا يدخل في معروف العقل ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دع إليه القرآن من النظر في خلق الله، وأن سنة الله لن تجد لها تبديلا) 117. وليس غريبا أن ينكر هيكل هذه المعجزة، لكن الغريب حقا أن يعتمد على ابن إسحاق والطبري في التشكيك فيها،وهو الذي أعلن من قبل تشكيكه في كتب الحديث والسيرة، وأغرب من ذلك اعتماده على المستشرقين في رد هذه المعجزة،مع أنها مروية في الصحاح وغيرها من كتب الحديث.وكم كان الدكتور حسين مؤنس موفقا في إثبات هذه المعجزة،على خلاف كثير من المحدثين الذين أنكروا المعجزات وظنوا ذلك حصافة ونفاذ فكر، قال: (ولم يعجبنا أن يتعالم بعض المحْدثين ممن ظنوا أن إنكار حادثة شق الصدر حصافة ونفاذ فكر.ونقول لهؤلاء: يا قوم ما دمتم قد سلمتم بأن رسول الله نبي الله الذي اصطفاه ربه ليوحي إليه قرآنه ليبينه للناس ويفتح به للإنسانية عصرا جديدا، فما معنى إنكاركم لشق الصدر وحنين الجذع؟ أليس هذا من ذاك؟ وإذا لم يدخل دماغك شق الصدر لأنه خارج عن المعهود، فكيف يدخل دماغك وحي الله لرسوله في الغار بقرآن عربي مبين ، وهو أيضا خارج عن المعهود؟!) 118 .
3-معجزة تسليم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم:
وإنكار هذه المعجزة من المزالق التي وقع فيها الدكتور حسين مؤنس، وعلل ذلك بأن الشجر والحجر إذا كان يناديه قبل مشهد الغار أنه رسول الله فما معنى فزعه وخوفه على نفسه بعد أن نزل عليه الملك أول مرة؟ وخطأ ابن إسحاق في الخبر الذي ساقه بخصوص ذلك119 .وقد فات الكاتب أن الخبر رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن) 120.
المطلب الثاني: معجزات بعد النبوة:
1-معجزة الإسراء والمعراج:
وهي معجزة ثابتة بنص القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة،لكن نفرا من الكاتبين المحدثين أنكروها على حقيقتها ،وتأولوها على أنها رؤيا منام ليس إلا!من هؤلاء الشيخ محمد الخضري في كتابه (محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية) حيث مال إلى القول بأن الإسراء كان رؤيا صادقة وكان بالروح لا بالجسد ، يقول: (وإطلاع الله نبيه في النوم على ما يريد إطلاعه عليه لا يختلف شيئا عن إطلاعه إياه في يقظته لأن رؤيا الأنبياء حق تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلا يمنع هؤلاء من رأيهم إضافة الإسراء إلى عبده والروح إذا جلي لها المسجد الأقصى تتمكن من رؤيته ومعرفة تفاصيله ومشاهدة آيات عجائبه أكثر من الرؤية العينية ليلا) 121.
والغريب أن هذا الموقف الذي تبناه الشيخ مخالف لما سطره من قبل في كتابه السابق (نور اليقين) حيث ذكر قول جمهور أهل السنة من أن الإسراء كان بجسمه الشريف، وساق حديث أنس عند الشيخين الدال على ذلك122.بل ورد على الذين ينكرون المعجزات،فقال بعد سياق معجزة شق الصدر: (وليس هذا بالعجيب على قدرة الله تعالى ، فمن استبعد ذلك كان قليل النظر لا يعرف من قوة الله شيئا، لأن خرق العادات للأنبياء ليس بالأمر المستحدث ولا المستغرب) 123.
ولعل السبب في هذا الاختلاف أن الشيخ ألف كتابه (نور اليقين) في المنصورة ولم تكن علاقته قد توطدت مع الإصلاحيين، ولذا أورد عددا من المعجزات كشق الصدر والإسراء وانشقاق القمر.. بل وأورد جملة منها في آخر كتابه.أما كتابه (محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية) فقد ألفه عندما انتقل إلى القاهرة وأصبح مدرسا للتاريخ الإسلامي ، وتوثقت صلاته بالشيخ محمد عبده وغيره من رواد المدرسة الإصلاحية، ومن ثم لم يشر فيه إلى عدد من المعجزات النبوية كحادث الفيل وشق الصدر ومعجزات الهجرة124.
وأما زعم الكاتب بأن الإسراء كان بالروح لا بالجسد فهو مخالف لما عليه جمهور السلف والخلف من أن الإسراء كان ببدنه وروحه صلى الله عليه وسلم .قال القاضي عياض بعد أن ساق مقالات أهل العلم في ذلك: (والحق من هذا والصحيح إن شاء الله تعالى أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ، إذ لو كان مناما لقال(بروح عبده) ولم يقل (بعبده) وقوله تعالى ( ما زاغ البصر وما طغى ) .ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته)125 .ثم إن ظاهر السياقات يدل على ذلك من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك، ولهذا قال عز وجل: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) 126 .والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد، والعبد عبارة عنهما 127.