فهرس الكتاب

الصفحة 891 من 2255

وممن نحا هذا المنحى أيضا محمد عزة دروزة في كتابه (سيرة الرسول: صور مقتبسة من القرآن الكريم) فهو لا يسلم بصحة المعجزات المروية في مصادر السيرة ، خاصة تلك التي وقعت في مكة بناء على تحدي الكفار، وحجته في ذلك (سكوت القرآن عنها مع فترة تحدي الكفار، واقتصار الأجوبة القرآنية على السلب،هذا إلى أن الروايات غير متواترة ولا وثيقة، وكثير منها إن لم نقل أكثرها لم ترد في المدونات القديمة إلى ما فيها من تخالف كبير في الوقت نفسه!) 100.

والعجيب كيف يدعي الكاتب أن هذه المعجزات غير متواترة، وكيف يفهم التواتر ، وقد وقع أكثرها في محافل المسلمين وجموعهم ورواها الجماء الغفير ، وتواترت رواياتها في كتب الحديث وفي مقدمتها الصحيحان، وأجمعت عليها كتب السيرة؟.

ثم إن الكاتب قد سبق له الطعن في مدونات السيرة القديمة فكيف اطمأن إليها الآن في تأييد رأيه بدعوى أن أكثر هذه المعجزات لم يرد في هذه المدونات!مع أن واقع هذه المدونات واشتمالها على أكثر المعجزات النبوية مفصح بخلاف ما قاله.وإن استناد دروزة للموقف السلبي للقرآن إزاء تحدي الكفار في إنكار كثير من المعجزات لا يسلم له، فالقرآن الكريم صريح في تعليل ذلك ،قال عز وجل: (وما منعنا أن نأتي بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) 101 فلا معنى لإجابة قوم ديدنهم التكذيب والعناد لا التصديق والإيمان.

وممن سار في هذا المسار أيضا محمود عباس العقاد في كتابه (عبقرية محمد) ،يقول: ( إنما نجحت دعوة محمد لأنها دعوة طلبتها الدنيا ومهدت لها الحوادث ، وقام بها داعية تهيأت له بعناية ربه وموافقة أحواله وصفاته، فلا حاجة بها إلى خارقة ينكرها العقل أو إلى علة عوجاء يلتوي بها ذوو الأهواء، فهي أوضح شيء لمن أحب أن يفهم وهي أقوم شيء سبيلا لمن استقام) 102.

والذي جعل العقاد يركب هذا المركب أنه أراد أن يجلو صور العظمة كما يفهمها البشر،وتوجه بكتابه لا للمؤمنين برسالة محمد فحسب بل وأيضا لغير المؤمنين بها،ولذلك جاء كتابه خلوا من كل أثر للمعجزات.وإذا كان العقاد قد وفق في إبراز جوانب العظمة والعبقرية وملكة التخطيط والتنظيم في شؤون الحرب عند النبي ، فإنه أخطأ حين جعل العامل الأساس في ذلك امتيازه الذاتي ومواهبه الفطرية، وتغافل عن عوامل أخرى تتصل بعالم الغيب (فهناك وعد الله ورعايته وتوفيقه وملائكته المقاتلون والنعاس الذي يغشيه الناس أمنة والمطر الذي يطهرهم والرياح التي تقتلع خيام المشركين وتثبيته لأفئدة المقاتلين وقذفه الرعب في قلوب الكافرين وقدره النافذ، مائة عامل وعامل هيأت أسباب النصر فكانت الغلبة لجند الإيمان جند الله ) 103.

وقس على هذا سائر جوانب العبقرية الأخرى التي تحدث عنها العقاد فقد اكتفى بذكر الأسباب المادية وأظهره مجرد إنسان يعمل بمواهبه النامية وملكاته المتفتحة وأغفل ذكر الأسباب الغيبية التي شكلت مكونا رئيسا في حياته صلى الله عليه وسلم.

وقد أعجب الشيخ مصطفى صبري بكتاب العقاد في بعض مباحثه،لكنه عارضه لكونه من دعاة العبقرية ومروجيها بدل النبوة ومعجزاتها.إلا أن مؤلفه في نظر الشيخ مصطفى صبري لم يتورط في السخافات التي تورط فيها غيره من دعاة العبقرية ومنكري المعجزات أمثال زكي مبارك وفريد وجدي ومحمد حسين هيكل والشيخ شلتوت104.

وحتى يتجلى موقف هؤلاء واضحا من مسألة المعجزات، أسوق هاهنا أمثلة على ذلك،وقسمتها إلى معجزات قبل النبوة وأخرى بعدها:

المطلب الأول:معجزات قبل النبوة:

1-معجزة الطير الأبابيل:

وهي معجزة ثابتة بنص القرآن، قال تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل،ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) 105.

في تفسيره لهذه السورة جوز الشيخ محمد عبده أن تكون الطير الأبابيل هي ما يسمى اليوم بالميكروبات، كما جوز أن تكون الحجارة هي جراثيم بعض الأمراض ، وذلك حتى يجعلها أمرا مألوفا تستسيغه أذهان من لا يؤمنون بالخوارق.وزاد فادعى أن ذلك مما اتفقت عليه الروايات ويصح الاعتقاد به، يقول: (وفي اليوم الثاني فشا في جند الحبشي داء الجدري والحصبة ، قال عكرمة: وهو أول جدري ظهر في بلاد العرب، وقال يعقوب بن عتبة فيما حدث: أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري ببلاد العرب ذلك العام..هذا مااتفقت عليه الروايات ويصح الاعتقاد به .. فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض وأن تكون هذه الحجارة من الطين اليابس الذي تحمله الريح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر ، وإن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالمكروب لا يخرج عنه ، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها.هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل إن صحت روايته!) 106.

وما زعمه الإمام من كون الروايات اتفقت على ما ذكر غريب في باب العلم وعجيب في تفسير القرآن ،بل الروايات مختلفة في ذلك،وكذا أمر الجدري لم تتفق الروايات على وقوعه في جيش أبرهة ، بل لم تشر أي رواية إشارة صريحة إلى وقوعه فيهم إلا رواية عكرمة.ثم إن القضية ليست في وقوع الجدري في جيش أبرهة أو عدم وقوعه ، فهذا أمر لم يشر إليه القرآن لا بإثبات ولا نفي ،بل القضية هي تأويل الطير على أنه البعوض أو الذباب ، وتأويل الحجارة من سجيل بالجراثيم107.والحال أن السورة صريحة بإرسال الطير، وهي مكية،والمخاطبون بها، وفيهم كثير من أعداء الرسول ،رأوا هذه الطيور، ولو لم يروها لبادروا إلى تكذيب القرآن، (ولا يقبل أن يقال إنهم رأوا المكروب أو الجراثيم لأنهم لا يستطيعون رؤيتها، ولا يقال إنهم رأوا الذباب أو البعوض لأنهم لا يرون الحجارة التي تحملها فكان لابد أن يكونوا رأوا طيرا ورأوا الحجارة التي تحملها،ورأوا الرمي، ولا يهم بعد ذلك أن يكون هلاك الجيش بمجرد وقوع الحجر أو أن تكون هذه الحجارة قد أصابته بمرض من الأمراض ، فالقرآن لم يصرح بذلك ، بل ذكر هلاكهم بهذا العقاب الشديد) 108.

هذا فضلا عن أن هذه الجراثيم لا علم للعرب بها وقت نزول القرآن بل هي من مكتشفات الطب الحديث ،و (العربي إذا سمع لفظ الحجارة في هذه السورة -الفيل- لاينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال ، وقد جاء القرآن بلغة العرب ، وخاطبهم بما يعهدون ويألفون) 109.

وقد وافق العقاد الشيخ محمد عبده في رأيه لكن على سبيل الجواز لا على سبيل الجزم، قائلا: (فإذا قال المفسر إن هزيمة أصحاب الفيل ربما كانت من فعل هذه الجراثيم فذلك قول مأمون على سبيل الجواز والترجيح ، ولكنه غير مأمون على الجزم والتوكيد، لأن الحفريات التاريخية قد تكشف لنا غدا عن حجارة من سجيل أصيب بها أصحاب الفيل فجعلتهم كعصف مأكول) 110.

وإلى نحو هذا التأويل الذي ذكره الشيخ محمد عبده ذهب الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسيره111،وقال محمد فريد وجدي: (و لايبعد أن تكون تلك الطيور ميكروبات الطاعون إذ لا مانع من تسميتها طيورا) 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت