ومنهم عبد المنعم ماجد الذي كتب يقول: (..لكن محمدا لم يرض أن ينسب إليه معجزة غير معجزة نزول الوحي عليه من قبل الله فكان يرد عليهم بقوله:(قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) 90 ومع ذلك لم يحل رفض النبي الإتيان بالمعجزات من أن ينسب إليه صفات خارقة.فبعضهم يؤكد أنه حين ولادته خرج نور أضاء الشام وأنه وهو صغير شقت الملائكة بطنه وغسلوا قلبه بالثلج..وأيضا فسروا سورة الإسراء بأن الله رفعه إلى السماء، وأنه قطع رحلة سماوية في بضع ساعات من الليل)91.
ولعل أبرز من يمثل هذا الاتجاه الدكتور هيكل في كتابه (حياة محمد) ، وحين صدور هذا الكتاب انبرى الشيخ مصطفى المراغي للثناء عليه والإشادة بالطريقة العلمية التي سار عليها هذه الطريقة التي تستبعد كل ما أوردته كتب الحديث والسيرة من معجزات ، وإنما هو القرآن والقرآن فقط.
ومما جاء في تقديم المراغي قوله:(ولم تكن معجزة محمد القاهرة إلا في القرآن وهي معجزة عقلية ، وما أبدع قول البوصيري:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم)92
ونسي الشيخ أو تناسى أن يقف عند كثير من المعجزات التي أشار إليها البوصيري في القصيدة نفسها مثل قوله:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم
وممن وقف مدافعا عن هيكل أيضا الشيخ رشيد رضا الذي يقول: (أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزت أو خوارق العادات ، وقد حررتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله على ثبوت نبوة محمد بالذات ونبوة غيره من الأنبياء ، وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علماءه لا حجة، لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل !) 93.
والعجيب حقا هذا الفصل الذي يقيمه المراغي ورشيد رضا وهيكل وغيرهم بين معجزة القرآن والمعجزات الأخرى (إذ لم تبلغنا معجزات رسول الله المختلفة إلا من حيث بلغتنا منه معجزة القرآن والإقدام على تأويل هذا وتسليم ذاك طبق ما يستهوي النفس ويتفق مع الغرض إسفاف غريب في تصنع البحث والفهم لا يقدم عليه من كان كريما على نفسه معتزا بعقله) 94.
وممن سار في ركاب هيكل محمد جميل بيهم في كتابه (تاريخ فلسفة محمد) ، وتحت عنوان ( هل قام الإسلام على المعجزات) يقول: (الواقع أن ثقات العلماء من المسلمين كابن رشد في كتابه( مناهج الأدلة) أجمعوا على أن محمدا كان في دعوته إنما يعتمد على الإقناع والإيمان ، وكان كما وصفه حسين هيكل في كتابه حياة محمد حريصا على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه حتى كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن !وأنكر هؤلاء الثقات على أمثال البيهقي وأبي نعيم والقاضي عياض تكديسهم المعجزات فيما وضعوه من أسفار..وكان استناد هؤلاء الثقات يقتصر على القرآن الذي بين أيدينا وعلى الحديث الصحيح وهما وحدهما المرجع في هذا الشأن والحكم)95.
وليت هؤلاء ،والكاتب منهم، يصدقون في هذه الدعوى، فقد تضمن القرآن الكريم الإشارة إلى بعض المعجزات ،كالإسراء وانشقاق القمر والإخبار بالمغيبات، وحفلت كتب الصحاح وعلى رأسها البخاري ومسلم بالأحاديث الوفيرة عن معجزاته ، فإذا كان القرآن الكريم والحديث الصحيح هما حقا مرجع هؤلاء الثقات في هذا الشأن فلا سبيل إلى إنكار ما ورد فيها من معجزات أو التعسف في تأويلها بما لا يقبله الشرع.وهل صحيح ما ادعاه الكاتب أن الرسول كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة؟ إذن لكان نهى أصحابه عن رواية الأحاديث التي تشير إلى ذلك،ولوصلنا ذلك النهي، كما وصلتنا نواهيه الأخرى، ولما وصلتنا تلك المعجزات إطلاقا، فلما لم يصلنا من ذلك النهي شيء ووصلنا من معجزاته الشيء الكثير ، تبين لكل عاقل أن كلام هيكل الذي تبناه الكاتب مجرد دعوى لا تستند إلى دليل.
أما هؤلاء الذين ذكرهم الكاتب وأنكر عليهم تكديس المعجزات فيما وضعوه من أسفار كأبي نعيم والبيهقي والقاضي عياض فهم علماء ثقات مشهود لهم بالعلم والعدالة،وإذا كانت كتبهم التي ألفوها في دلائل النبوة قد شابها الضعيف والموضوع ،فإن الصحيح فيها هو الغالب،والمنطق السليم يقضي بأن نميز هذا عن ذاك ، لا أن نلغي الكل جملة وتفصيلا.
ولقد حاول الكاتب وضع السيرة النبوية بأسلوب يعتمد على النواميس الطبيعية التي تربط الأسباب بالمسببات وترتب النتائج على المقدمات ، وأرجع نجاح دعوة محمد إلى أسباب تتصل بهذه النواميس ، لكن ما ينتقد عليه أنه اتخذ هذه النواميس تكأة لإنكار المعجزات ،وأغفل أسبابا أخرى تتصل بعالم الغيب كان لها أثر حاسم في هذا النجاح،فهناك عناية الله تعالى ورعايته ونصره الذي يتنزل، وجنوده التي لا ترى.. في الهجرة مثلا اتخذ النبي جميع الاحتياطات الممكنة لتأمين هذه الرحلة المباركة ، وتربص المشركون بالرسول ليقتلوه فخرج من بينهم وقد أعمى الله أبصارهم فلم يروه، وفي الغار هو وصاحبه أبو بكر وقد وقف المشركون على حافته حتى لو أبصر أحدهم موضع قدميه لرآهما ، لكنها العناية الإلهية تحوط نبيه الكريم وصاحبه.وفي طريقهما إلى المدينة يطاردهما سراقة فتتدخل العناية الإلهية مرة أخرى ، وتغوص قوائم فرسه في الرمال ..وما أكثر الأمثلة في السيرة النبوية التي تبرز فيها هذه الحقيقة واضحة للعيان ،ولا يردها إلا معاند مكابر.وكم مرة حاول الكفار قتله واغتياله ،وكانت عين الله تحوطه وترعاه ، أليس قد قال الله تعالى ( والله يعصمك من الناس) 96.
ثم إن الكاتب انفرد برأي لعله لم يسبق إليه ، ولم أجد من تابعه فيه من الكاتبين المعاصرين،حيث اعتبر المعجزات التي أكرم الله تعالى بها نبيه الكريم مجرد حظ كان يرافق النبي ! يقول: ( كان محمد من المحظوظين الذين رافقهم حسن الطالع ، فبالإضافة إلى العناصر الكثيرة الخارجية والداخلية التي خدمته، فقد عرضت في حياته حوادث متعددة رافقها الحظ عفوا على غير انتظار وكان الحظ وسيلة لسلامته، وكان أيضا وسيلة لخروجه منها منتصرا) 97.وساق الكاتب أمثلة لهذه الدعوى منها يوم لجأ النبي وأبو بكر إلى غار ثور، يقول: (وهكذا فإن محمدا وصاحبه ما كانا يسلمان من الغدر لولا أن الحظ أو القدر إن شئت أن تقول،صرف هؤلاء الفتيان عنهما وحول رائدهم عن دخول الغار) .وبعد ذكره بعض محاولات اغتيال النبي عقب قائلا:( ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل لأن الحظ كان يرافقه:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان)98.
فانظر كيف يتهرب الكاتب من تسمية هذا الذي يحدث معجزة ليسميه حظا،والبيت الذي استشهد به لا يسعفه، إذ مقصود قائله العناية الإلهية،والتي تمثل المعجزات أحد مظاهرها الكبرى.
وأغرب من هذا أن طه حسين يطلع علينا بتعريف غريب للمعجزة لم يسبق إليه، يقول عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم: (..ثم لا يخلو أمره من هذه المعجزات التي تبهر العقول وتسحر الألباب دون أن تحدث في طبيعة الأشياء حدثا أو تتجاوز بعادات الناس الجارية طريقها المألوف!) 99. ولا أدري كيف وفق الكاتب بين كون الأمر معجزة أي خارقا للعادة وبين كونه لا يحدث في طبيعة الأشياء حدثا أو يخرج عادات الناس عن المألوف ! إن هذا الكلام هو التناقض بعينه .