والحديث الذي رده الكاتب خرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة قالت: (توفي النبي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين يعني صاعا من شعير) 74. ولم يكن الكاتب بدعا في رد هذا الحديث فقد سبقه إلى ذلك أقوام (قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بأصواع من شعير. فيا سبحان الله أما كان في المسلمين مواس ولا مؤثر ولا مقرض وقد أكثر الله عز وجل الخير وفتح عليهم البلاد .. وهذا كذب وقائله أراد مدحة النبي صلى الله عليه وسلم بالزهد وبالفقر وليس هكذا تمدح الرسل. قال ابن قتيبة ردا عليهم:(ونحن نقول إنه ليس في هذا ما يستعظم بل ما ينكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه بأمواله ويفرقها على المحقين من أصحابه وعلى الفقراء والمساكين وفي النوائب التي تنوب المسلمين ولا يرد سائلا ولا يعطي إذا وجد إلا كثيرا ولا يضع درهما فوق درهم .. وكيف يعلم المسلمون وأهل اليسار من صحابته بحاجته إلى الطعام وهو لا يعلمهم ولا ينشط في وقته ذلك إليهم ، وقد نجد هذا بعينه في أنفسنا وأشباهنا من الناس ونرى الرجل يحتاج إلى الشيء فلا ينشط فيه إلى ولده ولا إلى أهله ولا إلى جاره ويبيع العلق ويستقرض من الغريب والبعيد وإنما رهن درعه عند يهودي لأن اليهود في عصره كانوا يبيعون الطعام ولم يكن المسلمون يبيعونه لنهيه عن الاحتكار فما الذي أنكروه من هذا حتى أظهروا التعجب منه وحتى رمى بعض المرقة الأعمش بالكذب من أجله) 75.
المطلب الخامس: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون: وهذا الحديث ثابت في الصحيحين76،لكن الشيخ الغزالي رد هذا الحديث بدعوى أنه يشعر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم باغت القوم على غرة وهذا أمر مستنكر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واطمأن الكاتب إلى رواية ابن جرير على ضعفها لأنها تتفق مع قواعد الإسلام أنه لا عدوان إلا على الظالمين ، وأول حديث الصحيحين على أنه مرحلة ثانية من مر احل الإسلام77.واعتراض الشيخ لا يسلم له، ذلك أن كتب الحديث بحكم عدم تخصصها لا تورد تفاصيل المغازي وأحداث السيرة ، بل تقتصر على بعض ذلك، مما ينضوي تحت شرط المؤلف أو وقعت له روايته، ومن ثم فإنها لا تعطي صورة كاملة لما حدث وينبغي إكمال الصورة من كتب السيرة المختصة78.وكتب السيرة توضح أنه أنذر بني المصطلق ، فلو اقتصرنا على رواية الصحيحين دون أن نتبين حكم الإسلام في إنذار العدو لوقعنا في خطأ ولبس .والشيخ الغزالي نفسه يقول: (إن الحكم الديني لا يؤخذ من حديث واحد مفصول عن غيره وإنما يضم الحديث إلى الحديث ثم نقارن الأحاديث بما دل عليه القرآن الكريم) 79.فكيف فاته ذلك هاهنا ؟ ورواية مسلم تدل على أن الغارة على بني المصطلق وقعت دون إنذار لأنهم ممن بلغتهم دعوة الإسلام، وقد كانوا يعتبرون في حرب مع المسلمين منذ اشتراكهم مع قريش في غزوة أحد، كما كانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين 80، فقد أخرج في صحيحه من حديث ابن عون قال:: (كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال- أي دعوة الناس إلى الإسلام- قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون ،وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ -قال يحيى- أحسبه قال جويرية) 81 . ويوضح ابن إسحاق سبب الغزوة فيقول رواية عن شيوخه: (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ،خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ،ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه) 82. وذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك (بعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك ، فاستأذنه أن يقول فأذن له ،فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ، فوجدهم قد جمعوا الجموع ، قالوا من الرجل؟ قال: منكم ، قد بلغني من جمعكم لهذا الرجل فأسير في قومي ومن أطاعني فنكون يدا واحدة حتى نستأصله، قال الحارث: فنحن على ذلك فعجل علينا ، فقال بريدة: أركب الآن وآتيكم بجمع كثير من قومي ، فسروا بذلك ،ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وخرج مسرعا) 83.
وتؤكد هاتان الروايتان ما سبق ، من أن بني المصطلق قد بيتوا العدوان على النبي صلى الله عليه وسلم ،فكانت المباغتة ردا للعدوان.ومثلهم في ذلك مثل الأحزاب الذين قصدوا القضاء عليه، والفرق أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع أخذ زمام المبادرة قبل وصول بني المصطلق إلى المدينة، فهل كان يوم الأحزاب بحاجة إلى دعوة القوم وقد جاءوا للقضاء عليه؟!84.
ثالثا: إنكار المعجزات والتشكيك فيها والتعسف في تأويلها85:
وهذا ميدان زلت فيه أقدام كثير ممن كتب في السيرة النبوية في هذا العصر، وكان من أبرز من تولى كبر ذلك رواد المدرسة العقلية الحديثة، أو ما يمكن تسميته بالاتجاه التوفيقي في كتابة السيرة النبوية ،وهو الاتجاه الذي حاول التوفيق بين معطيات الدين الإسلامي و معطيات الحضارة الغربية الحديثة.ولقد كانت مسالة المعجزات من أكثر قضايا السيرة النبوية التي برز فيها هذا الاتجاه، تارة بإنكارها وعدم ذكرها أصلا،وتارة بالتشكيك فيها، وتارة أخرى بتأويلها حتى تصبح من قبيل المألوف.فالطير الأبابيل تؤول بالجراثيم والملائكة التي أمد الله تعالى بها المؤمنين في غزوة بدر تفسر بالمدد المعنوي ورحلة الإسراء والمعراج تؤول بوحدة الوجود وسياحة الروح ، بل إن بعضهم أوَّل المعجزات النبوية كلها على أنها ضرب من الحظ الذي رافق النبي ! واعتبر هؤلاء القرآن الكريم المعجزة الوحيدة والقطعية التي تثبت نبوة محمد،وحتى هذا الاعتبار من هؤلاء فيه نظر، إذ حتى المعجزات و الغيبيات التي أوردها القرآن الكريم كالإسراء والمعراج ومدد الملائكة يوم بدر أعملوا فيها التأويل العقلي حتى توافق المألوف، وتساير العقلية الغربية. فهذا الشيخ رشيد رضا وهو من تلاميذ الشيخ محمد عبده ومن رواد هذه المدرسة يرى أنه لولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى عليهما السلام لكان إقبال الأحرار عليه أكثر واهتداؤهم به أعم وأسرع! ويرى كذلك أن العجائب لكونية والمقصود بها المعجزات النبوية هي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها إضافة إلى أنها من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر!86.
وكأن الشيخ يريد من القرآن الكريم أن يجامل أحرار الإفرنج هؤلاء فيذكر ما يرضون ويعرض عما لا تستسيغه عقولهم، حتى ينقادوا لدين الإسلام، والله عز وجل يقول: ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض) 87.
وقد سرت عدوى هذا الإنكار والتعسف في التأويل إلى كثير ممن كتبوا في السيرة النبوية من المحدثين 88 ،منهم الشيخ عبد الحليم محمود الذي ترجم كتاب ( محمد رسول الله ) ، للفرنسي المسلم إتين دينيه ، وعلق على بعض كلامه قائلا:(على أن بعض المعجزات التي تنسب إلى محمد ليست من نصوص القرآن وإنما قد نسبها إليه مؤرخو العصور المتأخرة تقليدا للمعجزات
التي تنسب إلى المسيح فهي ليست من الدين في شيء!)89.