فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 2255

الأهداف العامة لكثير من العقائد والسياسات والنظم أهداف نبيلة لاغبار عليها ومع ذلك نجد أن الأفراد المخلصين من حملة المبادىء لايحققون السعادة التي يريدونها لقومهم أو للبشرية أي أن نواياهم الطيبة وإخلاصهم لم تكن كافية لتحقيق ما يريدون بل أن بعض هؤلاء المخلصين قد يصبحون من أكثر الناس إجراما واستبداد وشرا، فالشيوعية مثلا هدفت إلى إنصاف الفقراء والعمال ومساواة البشر وحققت جزءا من أهدافها ولكنها أنتجت كذلك الاستبداد والتخلف الاقتصادي والأنظمة البوليسية ومنعت الناس حتى من حرية الخروج والهرب من الجنة الشيوعية المزعومة بل حتى هدف القضاء على الفقر وهو الهدف الذي قامت من أجله فشلت في تحقيقه. فالعالم الغربي أكثر غنى ورفاهية من العالم الشيوعي، والرأسمالية الغربية حملها المؤمنون بالحرية والعدل والمساواة وحقق المخلصون بعض أهدافهم ولكنهم فشلوا في قضايا مهمة فقد عبدوا المال وتفككت الأسرة وأنتجت الحضارة الغربية الاستعمار والقلق والايدز والمخدرات وغير ذلك،والبوذية ركزت على الجوانب الروحية والأخلاقية وأهملت الجوانب المادية والتشريعية، والنازية تمادت في اعتزاز الإنسان بوطنه وجنسيته فأنتجت الغرور والحروب وباختصار فإن الأهداف النبيلة والنوايا الحسنة يضيع أصحابها أن لم يهدهم الله للطريق المستقيم ولهذا قيل: الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة وقال العلماء: لاعمل بدون علم، ولاشك أن بعض هؤلاء المخلصين الضائعين قد حققوا ايجابيات في المساواة والحرية والقوة والتقدم التكنولوجي ولكن الحقيقة الواضحة أن المحصلة النهائية لإعمالهم هي الفشل الذريع فروسيا تئن من الضياع الشيوعي وأمريكا عملاق تنتشر الأمراض في عقله وجسده، والنجاح هدف قامت من أجله ثورات وأنظمة ومع هذا لم يصل أصحابها إلى ما يريدون من أهداف فحققوا بعضها وفشلوا في أكثرها وكم من مخلصين وقفت معهم شعوبهم ووصلوا إلى الحكم ومع هذا وبعد سنوات أصبحوا مكروهين كما أصبحوا أكثر ضررا على شعوبهم من سابقيهم مع أن نواياهم كانت وما زالت نوايا طيبة وأصحاب النوايا الحسنة ضاعوا لأنهم يجهلون الحياة والكون والانسان ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ومن يضل الله فلا هادي له والاسلام يعمل على ترشيد النوايا الحسنة والأهداف النبيلة ويحققها فيعطي الفقراء والعمال حقوقهم كاملة ويسمح كذلك بوجود الغنى الشريف ويعطي مجالا لاعتزاز الفرد بشعبه وأمته دون أن يتحول هذا الاعتزاز الى عنصرية ويعطي كذلك مجالا للاخلاق والروحانيات ومجالا للماديات ويحقق الاسلام المساواة والعدل والحرية بطريقة واقعية وسليمة فالاسلام دين شامل يعطي كل ذي حق حقه ولا يعطي الاغنياء والفقراء أقل أو أكثر من حقوقهم ولا يجعل الجوانب المادية تطغى على الجوانب الروحية أو العكس كما أنه لا يكبت الغريزة الجنسية ولا يتركها بلا قيود أو ضوابط هو دين وسط يحقق التوازن والعدل في كل شىء فهناك حقوق الله وحقوق للعباد والدولة والحكومة والوالدين والاقارب وهكذا وما لم يستطع أن يحققه كثير من أصحاب النوايا الحسنة هو معرفة تحقيق هذا التوازن، وقد رأت الشعوب الفشل واضحا واقتنعت بأن النظرية الدافعة لهؤلاء المخلصين نظرية فاشلة وأصبح المخلصون يتحدثون عن تصحيح نظرياتهم وعقائدهم وهكذا يستمر مسلسل التصحيح الى الابد ويستمر خداع الشعوب والامم بشعارات جديدة ونبيلة وتكتشف الشعوب مع الايام ومع زيادة الوعي أن السعادة حلم وسراب والبشرية اليوم حائرة وضائعة فالتوازن عملية لا تتم الا في ظل الاسلام وحرص الرسول (e) على التوازن وحذر بشدة من الانحراف حتى لو كانت النية طيبة ولهذا قال لمن كان يقوم الليل يصلي ولا ينام ولمن يصوم ولا يفطر ولمن اعتزل النساء فلا يتزوج أنا أصوم وأفطر وأقوم الليل وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني، ولاحظوا تبرأ الرسول ممن يفقد التوازن ويبتدع في الدين لان التمادى حتى في الخير غالبا ما يكون شرا لان التوازن للفرد والحكومة والامة يختل وفقدان التوازن حدث لكثير من الفرق والاتجاهات الاسلامية فالمتصوفة ركزوا على الاخلاق والزهد تركيزا شديدا ففقدوا التوازن العقائدي والتشريعي والمعتزلة تمادوا في الاعتداد بالعقل والرأي فأصابتهم بعض عيوب الفلاسفة كالجدل والقيل والقال والخوارج فقدوا التوازن لانهم تمسكوا تمسكا أعمى بالنصوص القرأنية وأهملو العقل والفهم فضلوا. وفقدان التوزان حدث في عصرنا لحكومات وأحزاب وجماعات وأفراد وذلك مع وجود حسن النية فهناك من أعطى الحكومات سلطة أكبرها مما لها في شرع الله فضل. وهناك من أعطى الشعوب أو العلماء أو الاولياء أو الحكام أو الجماعات أكثر أو أقل مما يجب وهنالك أيضا من أعطى مصالحه الشخصية أكثر مما لها فضل وهناك من أهتم بالدنيا على حساب الاخرة، وهم كثيرون فضلوا وهناك العكس وهم قليلون فضلوا أيضا وهناك من اعطى زوجته أو أولاده أو أصدقائه أكبر أو أقل مما ينبغي فضل وشقى والتوازن مطلوب أيضا في دائرة الفرد فهناك حقوق الله وحقوق للنفس وحقوق للاهل وهكذا فمن الخطأ أن يكون عقلك نشيطا. وجسمك كسولا، وهناك من فقد التوازن نتيجة لظروفه فاحساسه بظلم حكومة أو حزب أو اتجاه جعله يتطرف في العداوة أو البغضاء وقد يستدل بآيات وأحاديث ولكنه يتجاهل آيات أخرى لا تحقق مراده وتفضح تطرفه. والتوازن ووضع كل شىء في موضعه السليم مطلوب حتى في قضايا الاصلاح الإداري الذي يطالب به كثيرون ونواياهم حسنة ولكن قلة هم من لديهم العلم بالتخطيط والتطوير الوظيفي والتدريب والتقييم وغير ذلك من معلومات أساسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت