لقد شعرت هذه النخب الثقافية المأزومة بكل وضوح بافلاس رصيدها الشعبي, بل ومعاناتها من حالة نبذ اجتماعي حاولت ان تتغلب عليه من خلال انخراطها في مشروعات السلطة, والتضحية بأية مضامين تدفع باتجاه الاستقلالية السياسية, بل وفي بعض الأحيان يصل الأمر -ولشديد الأسف- الى اعتبار هذا الاستقواء غير النزيه نوعًا من الحذاقة في ادارة الاختلاف الفكري.
ونتيجة لهذا النبذ الاجتماعي فقد تحولت النخب الثقافية المأزومة إلى خيار ثقافي آخر, حيث هجرت إعادة مضغ النقد الممجوج حول الحاكمية والحجاب والجهاد والتعدد وأحكام الذميين ونحوها إلى محاولة تهتيك الوشائج بين القواعد الشبابية الإسلامية وبين نماذجها الملهمة التراثية والمعاصرة وذلك من خلال خطاب الأنسنة.
والأنسنة في الخطاب العربي اليوم توظف في سياقين, فأما السياق الأول فهو"أنسنة العلاقات"بمعنى أن تكون علاقاتنا ونظرتنا إلى العالم اليوم هي علاقات مدنية مبنية على القيم الإنسانية المشتركة, لا على أساس الهوية الدينية, وهذه سنعرض لها في الفقرة اللاحقة.
أما السياق الآخر فهو"أنسنة التراث"بمعنى إعادة تفسير التراث وولادة مفاهيمه الجوهرية وحراكها الداخلي تفسيرًا تستبعد فيه أية دوافع أخلاقية أو دينية أو قناعات ذاتية, ويبحث فيه عن الدوافع المادية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم عرقية أم غيرها, عبر التوسل بالجهاز المفاهيمي الأنثروبولوجي تحت شعار التسلح بأدوات العلوم الانسانية المعاصرة, وبعض الفرانكفونيين العرب حين يتحدث عن توظيف أدوات العلوم الانسانية المعاصرة يضيف الى ذلك فاصلًا تاريخيًا وهو قوله"العلوم الإنسانية ما بعد العام 1950م"ولا أدري لماذا هذا التاريخ التوقيفي, لكن هذه هي الدعوى على اية حال.
بمعنى أن تفسر تشكلات التراث على أنها مدفوعة بصراع سلطة أو مزاحمة سيادة أو احتفاظ بالجمهور أو أهداف بزنسية أو صفقات تسويقية, فمن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب مرورًا بالشافعي وانتهاء بالدعاة المعاصرين تفسر كافة تمظهرات الخطاب على أنها مجرد موازنات سياسية وحسابات اجتماعية محضة.
وهكذا تنطلق صافرة الأنسنة في لحظة إطلاق رصاصة الموت في دماغ التفسير الأخلاقي والديني, فحين تجمع الوقائع بطريقة موجهة وتربط بدوافع سياسية وخلفيات اجتماعية تذوي منزلة رموز الإسلام, وتسقط الثقة بمايقولون, ويزدرى ما يحملون, وينظر لمواقفهم البطولية على أنها مجرد استماته في حظوظ النفس, وهكذا ينقطع عن المنابع وُرَّادها, وتموت وظيفتها في القيام بدورها في شحن الشاب وتزويده بالمضامين الإسلامية.
الأنسنة في الخطاب العربي المعاصر لم تستوعب مفهوم الأنسنة فعلًا كما هو في ذاته, صحيح أن هناك في المقابل مبالغات ساذجة في تصوير التاريخ ترنسندنتاليًا باعتباره مجرد معطيات متعالية لا صلة له بالتركيب البشري, لكن هذا لا يعني الانقلاب للجهة الأخرى.
العلمانيون العرب يتبرمون كثيرًا من إمكانية اعتبار الدين والأخلاق والإيمان محركًا للتاريخ, بل يعتبرون التاريخ محكوم دومًا بدوافع غريزية محضة, إما مادية أو سيادية أو غيرها, أما الخطاب الديني والأخلاقي فهما مجرد بنية فوقية معلنة تخفي الدوافع التحتية الحقيقية.
لقد بلغت الأنسنة العربية مراحل مزرية تستدعي الرثاء, فحرب أبي بكر للمرتدين هي محاولة مادية لتمويل الخزينة, وعثمان وعلي مجرد طامحين للسلطة, والفتوح الإسلامية كلها حركات إمبراطورية توسعية, والشافعي مهجوس بشكل مضمر بعرقلة نفوذ السلطة السياسية لسلطته العلمية, ومحمد بن عبدالوهاب مسعور بالمزيد من الجغرافيا, وآباء الحركة الإسلامية الروّاد يسعون بشكل مكشوف للوصول للسلطة, والدعاة المعاصرون كلهم يبحثون عن بريق الإعلام والقنوات الفضائية.
حالة الافلاس في الخطاب العربي المعاصر تستدعي النظر بعين الرحمة والإشفاق والشكر لله على تجاوز هذه النظرة المرضية الهوسية للآخرين, أتساءل أحيانًا لماذا لايفكر العلمانيون العرب بأن هؤلاء الرموز قد يكونون مدفوعين بدوافع روحية وأخلاقية؟ خصوصًا أن كثيرًا منهم ضحى بحريته أو روحه التي بين جنبيه, لكن ربما أن من لم يتذوق الدافع الأخلاقي في نفسه فلا يمكن أن يقرأه في تصرفات الآخرين.
فضلًا عن أن هذا التفسير لدى العلمانيين العرب ينم عن جهل مطبق بمفهوم الأنسنة ذاته, فمقتضى الأنسنة هو النظر إلى الإنسان بما هو إنسان, ولاشك أن من أقوى مكونات الإنسان المكون الديني والأخلاقي والروحاني, فاستحضار بقية مكونات الإنسان وتغييب بعضها الآخر هل يستحق أن يسمى أنسنة أم يسمى اختزالًا للإنسان؟
وباختصار شديد تحولت تقنيات الأنسنة إلى خطاب"سوء ظن"منهجي منظم, بدلًا من أن يكون مجرد زلة سلوكية, ويسمى في النهاية -وبكل بجاحة- خطابًا تفسيريًا علميًا! ولذلك فمن المشاهد اليوم أن من انهمك في مشروعات إعادة قراءة التراث المهجوسة بافتراض الدوافع السياسية في كل حدث فإنه يمتلئ قلبه بالغل على القرون المفضلة, وقد قال تعالى:
{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
ولو جئنا نختبر ذلك العصاب في التفسير المادي لواقع الحركة الإسلامية فإنه حتمًا سيفلس في تقديم إجابة دقيقة على الكثير من الظواهر.
خذ مثلًا: مالذي يدفع الإسلاميين المعاصرين إلى ترك الفرص الاستثمارية في المؤسسات الربوية وتحمل كلفة المصرفية الإسلامية؟ مالذي يدفع الشابة المؤمنة الرقيقة إلى ارتداء الحجاب وتحمل نظرات الاستخفاف في الأماكن العامة؟ مالذي يدفع شابًا في زهرة العمر إلى التضحية بمجتمع الرفاه الذي يتقاطر اليه الوافدون والمقيمون ويتوجه لجبال شعثاء ينشد غناء الموت؟ مالذي يدفع رجالًا تشابكت مسؤولياتهم الاجتماعية والأسرية إلى التنازل في الظل عن جزء من رواتبهم المحدودة لطباعة تفسير أو توزيع شريط قرآن؟ مالذي يدفع فتى في غمرة سني اللهو واللعب إلى أن يدع مغاني أقرانه ويمد اليك مع ابتسامته الغضة تمرة تفطير عند إشارة مرور؟
وهكذا دواليك, مشاهد كثيرة تمردت على نظريات الأنسنة العلمانية, وأفلست محاولاتها التفسيرية البائسة في قراءة هذه الظواهر, لا زالت هذه المدرسة غير قادرة على استيعاب أثر الإيمان في النفوس بما يجعل الدين محركًا للتاريخ, فلم يصلوا إلى ما وصل إليه هرقل بحكمته الرومية حين أدرك ماذا تصنع"بشاشة الإيمان"إذا تسللت إلى القلوب, وذلك فيما روى البخاري أن هرقل قال لأبي سفيان:
{وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا, وَكَذَلِكَ الإيمان حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ}
ويمكن للقارئ أن يضع المدارس التفسيرية في اطار تاريخي أو هيكل عام يمكننا من تصور اتجاهاتها العامة, حيث يمكن القول -بشئ من التجوز- أن المدارس التفسيرية مرت بثلاث مراحل"مرحلة المؤلف"و"مرحلة النص"و"مرحلة القارئ", فمرحلة المؤلف كان التركيز فيها على خلفيات منتج النص وسياقه الذي يتحرك فيه, واندرج فيها المدارس النفسية والاجتماعية ونحوها.