فهرس الكتاب

الصفحة 814 من 2255

(وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية)

والحديث عن هذه الإشكاليات الفلسفية يطول ومن الأفضل أن نرجئه إلى الجزء الثاني الذي هو عن علاقة الخطاب المدني بالفكر الحديث لكونه أكثر مناسبة.

والمهم هاهنا أن نشير إلى أن هذا الباب الفلسفي تجد عموم الإسلاميين فيه حذرين أشد الحذر, لأنهم ولله الحمد موقنون أن مضامين وتصورات الوحي أهدى وأحكم.

بل إن كثيرًا من حقائق الوحي في هذا الباب الفلسفي لا تعرفها الفلسفة الغربية المعاصرة أصلًا, أو لديها حوله معلومات مشوهة, كباب الإلهيات, وما يتضمنه من معرفة الله وما ينبغي له معرفة صحيحة, والعوالم الغيبية وتقدير كل شئ في اللوح المحفوظ, وجريان السنن الطبيعية بغايات إلهية, وأثر العبادة في النواميس الكونية, وحركة القلب بالتزكية كالتوكل والافتقار والضراعة, ونحو هذه المعاني التي هي التنوير الحقيقي, كما قال تعالى في هذه المقارنة بين تنوير الوحي وظلامية ما يعارضه:

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]

و قد أشار الامام ابن تيمية الى هذا التنوير المستمد من الوحي فقال:

(وعند المسلمين من"العلوم الإلهية"الموروثة عن خاتم المرسلين ماملأ العالم نورا وهدى) الفتاوى 2/84

وأما الوجه الثالث فهو"الوجه السياسي"للحضارة الغربية وهو الوجه الكالح بكل معنى الكلمة, فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسة إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى, وليس لديها أية حواجز أخلاقية أمام مصالحها, فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية, ديكتاتورية معتمة في السياسة الخارجية.

والمؤسسة السياسية الغربية هي التي خلقت أبشع النماذج الدموية في التاريخ, وهي المسؤولة عن تطوير أدوات الابادة البشرية الشاملة, والمعتقلات اللاإنسانية, وقصف المدن الكاملة بما فيها من المدنيين, كيف تبرأ تلك الحضارة من عقدة الذنب وهي تتذكر عصر العنصريات والقوميات والنازية وهيروشيما ونجازاكي واستعمار الدول العربية وغوانتنامو وأبو غريب, والأسلحة النووية والغازات السامة, وإيقاف تحقيقات الفساد لأجل مصالح قومية عليا, بل وسن تشريعات حرمان المسلمة من حجابها, ورعاية مؤسسات صحفية تسخر بنبي يؤمن به شطر العالم.

على أية حال.. هذه الوجوه الرئيسية الثلاثة للحضارة الغربية إنما هي نماذج فقط, وتبقى هناك حقول أخرى لا يتسع هذا الجزء لتفصيلها كالعلوم الإنسانية والفنون ونحوها, وهذه النماذج كافية في الدلالة على المقصود بأن الإسلاميين لديهم موقف تفصيلي يميز المفيد من الضار وليس كما يتصوره غلاة المدنية.

-الركيزة الثالثة:التمييز بين الانتفاع والانبهار:

غلاة المدنية يتوهمون أن هناك تلازم بين الانتفاع والانبهار, وأنه لكي نستفيد من الحضارة الغربية يجب أن تمتلئ أشداقنا بتأوهات التعجب, وأن نفغر أفواهنا ونحن نسوق فلسفتهم, وأن نحوط أسماءهم وأعلامهم بهالة التعبيرات الخارقة, ولذلك يطلق بعضهم عبارة"المعجزة الغربية"أو"معجزة الحداثة"ونحوها.

وتفريعًا على ذلك ينظرون إلى أي ذم أو انتقاص لواقع الحضارة الغربية على أنه رفض للانتفاع بما لديها من صواب! ويتبرمون بأي تعبير ديني في توصيف الحضارة الغربية كوصفها بالضلال والفجور والفواحش والكفر وأمثالها من التعبيرات الشرعية, ذلك أن هذه المفاهيم وأمثالها مشبعة بحمولة دينية وهم يريدون التعامل بلغة مدنية تستبعد المحتوى الديني من التقييم.

والواقع أن عدم فهم غلاة المدنية للموقف الشرعي إزاء الحضارات هو سبب عدم فهمهم للموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة الغربية, فليس في الشريعة تلازم مطلق بين الانتفاع من الآخر والانبهار به, بل الموقف الشرعي بخلاف ذلك أصلًا.

فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق ومشروعية الغيلة والتبادل التجاري وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين وراسلهم واتخذ خاتمًا لمراسلته كما هي عادتهم وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة والقبط وأكل من طعامهم ولبس من منسوجاتهم وشارك يهود خيبر في نخيلهم وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي لكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي, كما قال صلى الله عليه وسلم عن الفترة التي سبقت بعثته: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب) رواه مسلم.

وقال تعالى:

{كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}

وقال سبحانه وتعالى:

{هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}

فبين سبحانه أن هذه الأمم التي عاصرته كلهم في ظلمات, وأنهم هم الظلاميون الذي يحتاجون التنوير الحقيقي الذي هو نور الوحي.

هذه التمييزات المنهجية الثلاثة وهي: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة, والتمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي للحضارة المعاصرة, والتمييز بين الانتفاع والانبهار, هي المفتاح الرئيس لفهم موقف الإسلاميين المعاصرين من الحضارة المعاصرة, ومن استوعبها علم قطعًا جهل من يقول ان الإسلاميين ضد الحضارة والمثاقفة والتحديث, واستبان له أن لدى الإسلاميين موقفًا تفصيليًا منظمًا مستمدًا من خلاصة توازنات نصوص الشريعة.

أما كثرة تذمر غلاة المدنية وشكواهم من الارتياب الاجتماعي ضد الثقافة الغربية وضعف الثقة بدعاتها وتشنج بعض الناس ضد المنتج الغربي فالمسؤول الحقيقي عنه ليس الإسلاميين وانما النزق التغريبي الذي تبناه بعض غلاة المدنية حتى قال الأول: يجب أن نأخذ ما لدى الغربيين بحلوه ومره وخيره وشره, وحتى قال الآخر: الحضارة الغربية كقصر فخم يجب أن لاننشغل بسلة مهملاته الصغيرة, فمثل هذه الطيش وانعدام التماسك أمام المنجز الغربي هو الذي أقلق الهوية الإسلامية واستفز توربينات الممانعة الشعبية, إذ لو رأى الناس في تلك النخب الثقافية موقفًا عقلانيًا رزينًا إزاء منتجات الفكر الغربي يبدي غيرته على قيم الإيمان والفضيلة لما احتاجوا أن يعبروا عن رفضهم بهذه الصورة التي ينتقدها غلاة المدنية.

ماوراء أنسنة التراث:

المعركة اليوم معركة"تفسير"بالدرجة الأولى, تدور حول السؤالين التاليين: كيف نفهم النص؟ وكيف نفهم حملة النص؟

فتفسير النص, وتفسير التاريخ, كادا أن يكونا محور الجدل الثقافي المعاصر, وكاد أن يكون السجال الفكري يدور حول"النماذج التفسيرية"وتقنيات التأويل.

وفي المرحلة الفكرية السابقة -كماسبقت الإشارة لذلك- كانت النخبة الثقافية المأزومة مع الإسلام ودعاته تطرح نقدًا وتهجمًا على مضامين الرؤية الإسلامية ذاتها, فهناك سيل كبير من المقالات والكتب التي انتقدت التصورات الإسلامية صراحة كتحكيم الشريعة والحجاب والجهاد وغيرها من المفاهيم والقيم القرآنية وكانت المفاجأة أن الاتجاه الإسلامي يزداد صلابة, ويتأكد لقواعده الشبابية جدية عداء هذه النخب الثقافية المأزومة للإسلام والوحي والتعاليم النبوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت