فهرس الكتاب

الصفحة 813 من 2255

والواقع أن الإسلاميين بجميع أطيافهم سبقوا غيرهم من الطبقات الثقافية إلى الانتفاع بها, بل وكتب كثير من السلفيين أن حقائق العلوم الطبيعية حقائق شرعية, بل لايوجد علم من العلوم المعاصرة على وجه العالم اليوم خدمه أصحابه برمجيًا مثل العلوم الشرعية, وصورة الشاب المتدين في كليات الطب والهندسة والحاسوب ونحوها ليست صورة طبيعية فقط بل هي صورة نمطية راسخة في الوعي الشعبي, حتى أن الفرانكفوني المتطرف محمد أركون أشار إلى ذلك في غير موضع من دراساته, إضافة الى ظاهرة الاقبال الاسلامي على الدورات التدريبية في ادارة الذات وعلم النجاح والبرمجة اللغوية وغيرها, فلا أدري ما وجه المزايدة على الإسلاميين والقول بأنهم ضد المثاقفة والاستفادة من المنجزات؟

وأما الوجه الثاني فهو"الوجه الفلسفي"للحضارة الغربية بما يتضمنه من تصورات عن الأسئلة الأنطولوجية والإكسيولوجية والإبستمولوجية وما بعدها من حقول الفلسفة الكبرى, كحقيقة الحياة, ومفهوم السعادة, ووظيفة الدنيا, وكنه الإنسان, ومستقبل البشرية بعد فنائها, والعالم العلوي, ومرجعية الأخلاق, وإطلاقيتها ونسبيتها, ومصادر المعرفة والتي هي البنية التحتية للفلسفة, ونحوها.

فهذا الوجه ضلال الفكر الغربي فيه أكثر من صوابه, خصوصًا في الأسئلة الكبرى, أما التفاصيل والجزئيات فقد يكون بعضها مشتركًا وبعضها متناقضًا مع الوحي.

بل إن القارئ المسلم لايكاد يجد فيها نتائج مبرهنة يسعد بها ويحملها كرسالة اجتماعية, بل كل فيلسوف ينقض ما قاله سابقه, وغاية القارئ في هذه الأبواب ليس أن يبني تصوراته وعقيدته بشكل صحيح فتكون له إضافة في ذاته, بل غايته أن يحصل له مران ذهني ودربة على السجال والجدل والرد والتفنيد, في مقابل أن يخسر فضيلة الحسم واليقين والتي هي من أهم أسباب الإمامة في الدين كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .

فيمتلئ القارئ بالارتياب والحيرة واللاحسم في كل شئ, حتى يصل إلى مرحلة عدمية لا يستطيع فيها أن يجزم بشئ من معطيات الشريعة, وهذه ظاهرة مشاهدة, والارتياب والحيرة والتردد في الأصول الكبرى من شعب النفاق والعياذ بالله, كما قال تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} .

ولذلك تجد عامة غلاة المدنية الذين اقتربوا من هذه الدراسات الفلسفية يرددون"الأهم هو طرح الأسئلة وليس الإجابات"أو قولهم"إلى المزيد من طرح الأسئلة"ونحو هذه العبارات التي هي كالمخدر يسلون به أنفسهم عن عدم الوصول لنتيجة, حتى أصبح شائعًا لدى المؤرخين للفلسفة قولهم"الفلسفة تقدم الأسئلة بما يفوق تقديم الإجابات".

وسبب ذلك أن المضامين الرئيسية المكتوبة في هذه الحقول إما لائكية محضة وهو الأكثر, وإما كتابية محرفة وهو الأقل, بل هو النادر, على أن من ورث فيهم شيئًا من الكتابية المحرفة خير ممن بقي على اللائكية الخالصة, فإن بركة بقايا النبوات وما فيها من النور خير من العمى التام, فالمتمسك بالمسيحية المحرفة أشرف وأرفع في ميزان الله من الكافر المحض, فنصوص الوحي متضافرة على تفضيل الكتابيين على الدهرية الملاحدة, وهذا من بركة بقايا النبوات التي بأيديهم, فالكتابي خير من المجوسي, والمجوسي خير من الملحد, لأن المجوسي معه شبهة كتاب والملحد لا كتاب له, ولذلك قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (أضل أهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود: أعلم من الفلاسفة, وأهدى وأحكم, وأتبع للحق) .

وقال الإمام ابن تيمية أيضًا: (ومن المعلوم أن المشرك إذا تمجَّس, والمجوسي إذا تهوَّد, حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك) .

ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الوجه الفلسفي ليس هو الوجه المتقدم في الحضارة الغربية أصلًا, بل هو الوجه الظلامي المتخلف المنحط, برغم محاولات كثير من غلاة المدنية الزعم بأن التطور الغربي انعكاس لفلسفته, وهذا مجرد أمنية تاريخية.

والواقع أن التفوق المدني الغربي اليوم عائد للثورة الصناعية في المرحلة السابقة, ثم الثورة التكنولوجية ونظم الاتصال والمعلوماتية حاليًا, وهذه كلها نتاج عرق المعامل والتمويلات السياسية الضخمة لمراكز البحوث, وغاية الفلسفة أن تكون تفسيرًا استرجاعيًا لما حدث, فهي دومًا تفسير لاحق للأحداث تحاول اعطاءها المعنى بعد أن تقع, فأفضل حالاتها أن تكون"حكيم بعد الحادث", وهذا سبب تراجع أهميتها المعرفية.

بل إن من أسباب تراجع أهميتها المعرفية عدم قدرتها على خلق"قوانين مطردة"تحقق لها العلمية، ولذلك فهي تعاني من عقدة نقص تاريخية قديمة أمام العلوم الطبيعية التي تفرض احترامها المعرفي بسبب ما تحمله من القوانين العلمية المنظمة, ولذلك كثرت الصيحات الغربية في الفترة الأخيرة بإعلان موت الفلسفة, وانجفلت التطلعات الثقافية إلى العلوم الإنسانية، ولا سيما بعد أن قدمت لها البنيوية شبه اطراد عبر استعارة النموذج الألسني كما أشار إلى ذلك تحديدًا كلود ليفي شتراوس وغيره.

وسبب هذا الوهم حول عظمة الفلسفة أن كثيرًا من مثقفي غلاة المدنية تأثروا بالكتابات التعليمية عن"قصة الفلسفة"والتي صورت التاريخ البشري كنتاج مباشر لأفكار بضعة عشر فيلسوفًا على مر التاريخ, وكأن التاريخ الإنساني عمومًا والتاريخ الأوروبي خصوصًا مركبة يتربع في كابينتها طائفة من الفلاسفة يخلف بعضهم بعضًا يشيرون للمجتمعات أن تذهب يمنة أو يسرة!

والواقع أن الكتب الفلسفية ذات الطابع التعليمي عبثت بتفكير غلاة المدنية كثيرًا, فهذه الصورة المرتسمة في أذهانهم وهْم طريف يغيِّب دور العوامل التاريخية الجوهرية في صناعة الماضي والحاضر, كدور القيادات السياسية والخبراء والأعمال الأدبية الكبرى والعواطف الشعبية, فضلًا عن دور الإعلام الحديث ونظم الاتصال وتوازنات القوى والشركات المتعددة الجنسيات ومتغيرات الموارد ونحوها.

بل هذه الرؤية المدرسية الساذجة غيب دور النبوات في تشكيل التاريخ, ولذلك تنبه المؤرخ الشهير توينبي إلى دور النبوات كعامل رئيس في صناعة التاريخ فقال (التحول الديني كان حقيقة مبدأ كل شيء في التاريخ الانكليزي) .

وقبل توينبي نبه على هذه العامل الحاسم ابن خلدون في مواضع كثيرة من المقدمة ومنها قوله:

(الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك, أصلها الدين, إما من نبوة أو دعوة حق) .

وقال الإمام ابن تيمية في الصارم المسلول:

(ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو آثار نبوة, وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات, ولا يستريبن العاقل في الأقوام الذين درست النبوة فيهم كالبراهمة والمجوس) .

وهذا التفاوت بين الإبداع العلمي والانحطاط الفلسفي هو الغالب على الأمم التي اعتنت بالمدنية وأعرضت عن النبوات, فهو شأن تاريخي متكرر أصلًا, ولذلك لما كانت الحضارة الاغريقية مفلسة من مضامين الوحي غنية بالعلوم المدنية تشكلت فيها ذات الصورة, ويلخص الإمام ابن تيمية هذا المشهد بقوله:

(فإن القوم-أي الفلاسفة- لا يعرفون الله, بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير, لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية, وهذا بحر علمهم وله تفرغوا, وفيه ضيعوا زمانهم, وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدًا, وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة)

وقال الإمام ابن تيمية أيضًا عن رمز الفلسفة اليونانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت