فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 2255

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ, ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}

فبينت هذه الآية جوهر وظيفة الاستخلاف وهي الابتلاء بالايمان والعمل الصالح واتباع الرسل بعد ما سلب الله الأمم السابقة ذلك بسبب اعراضها, وهذا المعنى حول وظيفة الاستخلاف بينته آيات أخرى أيضًا كما قال تعالى:

ولذلك فان الأمة التي تحقق العبودية هي الأمة التي استوعبت معنى الاستخلاف وخلافة الانسان, كما قال تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور:55]

فهذه هي الخلافة الشرعية الايمانية المحمودة من كل الوجوه, وهي التي تكون بالايمان والعمل الصالح والاستنارة بنور النبوات وتمكين الدين, لاأنها مجرد العمارة المادية.

والواقع أن الاستشهاد بهذه الآية على تكريم"جنس الانسان"بغض النظر عن هويته الدينية يعبر عن انتقائية حادة تتضمن طمس بقية مضامين الوحي التي تكشف دور الهوية الدينية في تشكيل معيار التقييم والعلاقات, وسنعرض لهذه القضية تفصيلًا في فقرة"أنسنة العلاقات".

وخلاصة الأمر أن هاتين الآيتين -أعني آيتي العمارة والاستخلاف- تتعلل بهما أكثر شعارات الخطاب المدني المتطرف, وكثير منهم يحاول أن يلتمس نسبًا الى الشريعة عبر التكلف في تأويلهما, وجعلهما أرضية لتبيئة مفاهيم التطرف المدني, وقد استكشفنا سويًا حجم التعسف والاجحاف الجائر في تأويل الآيتين ذاتهما, فضلًا عن مصادمة هذا التأويل لبقية معطيات الوحي, وثمة استشهادات شرعية أخرى يرددها بعض غلاة المدنية, وسنشير لهذه الاستشهادات ونناقشها في مواضعها في الفقرات القادمة.

الإسلاميون ضد الحضارة؟

يتردد كثيرًا في أدبيات غلاة المدنية أن الحركات الإسلامية حركات عدمية ضد الحضارة والمدنية والتحديث, وأنها مجرد حركات هوية لا حركات نهضوية, وأنه ليس لديها إلا آلية الممانعة ومقاومة التغيير, وأنها حركات انفصالية عزلوية تدعو للتقوقع والانكفاء على الذات, وأنها ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الحديثة, ونحو هذا الكلام الذي -بصراحة شديدة- صار مستهلكًا هذه الأيام ويعاني نوعًا من السماجة.

وهذه الدردشة الصحفية المبتذلة لا تخلو إما أن يكون صاحبها لم يقرأ للاتجاه الإسلامي جيدًا وإنما هي ألفاظ أعجبه حسن حداثتها فتلقفها ورددها, مع أنها بالمناسبة شعارات قديمة رددها الفكر العربي منذ عدة عقود وإنما استوردها الداخل المحلي مؤخرًا.

وإما أن يكون هذا الكلام مدفوعًا باستراتيجية سجالية بأن يحاول الكاتب التدليس على الموقف الإسلامي وتصعيده وتصويره بشكل سلبي بهدف تيسير إسقاطه والرد عليه, فيكون هذا الكاتب يصارع أشباحًا لاحقيقة لها وإنما هي صورة خلقها ليرد عليها كطواحين الهواء.

وفي كثير من الأحيان حين تفتش في دوافع هذا الكلام تكتشف أن الكاتب إنما يحاول تضميد جرح غرزه موقف شخصي لا صلة له بالاعتبارات الموضوعية للقضية أصلًا, وانما الظاهرة الاسلامية في هذه الحالة غرض للنكاية لاأكثر.

على أية حال.. الخطوط العامة لموقف الإسلاميين من الحضارة والمثاقفة عمومًا والحضارة الغربية على وجه الخصوص واضحة ليست بالأغاليط, صحيح أن ثمة اجتهادات متفاوتة في بعض التفاصيل, لكن الكليات المنهجية لجماهير الإسلاميين المعاصرين مشتركة لا تكاد تخطئها العين المنصفة, ويتلخص هذا الموقف في ثلاث ركائز هي في حقيقتها"تمييزات منهجية"لمستويات التعاطي والقراءة, ومن استوعب هذه التمييزات المنهجية الثلاث استوعب جيدًا الموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة والمثاقفة عمومًا والحضارة الغربية خصوصًا, وهذه التمييزات المنهجية كالتالي:

-الركيزة الأولى: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة:

فالحضارة عند غلاة المدنية مطلب مطلق يريدون منها أن تهب رياحها وتبحر في كل اتجاه بلا شروط تفرض من الخارج في ظل الحرية الشخصية إلى درجة غياب المعنى وغموض الغاية, أما الحضارة في التصور الشرعي فهي حضارة موجهة بهدف"تحقيق العبودية"بما تتضمنه من إظهار الدين والقيام بالشعائر والشرائع, فالحضارة المنشودة هي الحضارة المنضبطة بقيود الشريعة والهادفة لنصر الإسلام وتحقيق قيمه ومضامينه, وتأخذ قضايا وجزئيات الحضارة قيمتها التفصيلية بحسب مؤداها إلى هذه الغاية.

ولذلك فإن الشارع لم يوظف مفهوم الحضارة ولا المدنية وإنما وظف مفهوم"القوة"و"العلو"كقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن القوة الرمي) وقوله تعالى {وأنتم الأعلون} وقوله صلى الله عليه وسلم (اليد العليا خير من اليد السفلى) . ومن المعلوم أن الطاقة التخييلية التي تتضمنها ايحاءات مفهوم الحضارة والمدنية ليست كالدلالات التي يضخها مفهوم القوة, فالقوة مفهوم خادم للمبدأ ومرتبط به, أما الحضارة فمفهوم موحي بالمتعة والرفاه.

والمراد من ذلك أن الحضارة والتمدن عند الإسلاميين"مطلب"لكنها ليست هي المطلب الرئيس ولا المطلب الجوهري لهذه الحياة, بل هي مجرد وسيلة لتحقيق الغاية الحقيقية التي هي العبودية.

-الركيزة الثانية: التمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي:

غلاة المدنية يدعون إلى الإقبال الشغوف واحتضان المنجز الغربي بكامل صوره وكأنه معطى مصمت لا يتفاوت, ويتضايقون من الصرامة في الفحص والاختبار ويعدونها لونًا من التعنت والعدمية ورفض المثاقفة, ولذلك يدعون عمليًا إلى التسامح والتغاضي عن الثغرات, أو يلتمسون لها المعاذير والتسويغات وينبشون لها الآراء الشاذة لتتكئ عليها, أما الإسلاميون فيفرقون بشكل واضح بين الوجوه الثلاثة الرئيسية للحضارة الغربية, فيتفاوت تقييمهم وصرامتهم وتدقيقهم في الاختبار والفحص بحسبها.

فأما الوجه الأول فهو"الوجه العلمي"المحض بما يدخل فيه من منتجات تجريبية وعلوم طبيعية وتصنيع وتكنولوجيا ونظم اتصال وحوسبة ونحوها من المنتجات التي يغلب عليها أن تكون"أدوات"أو"وسائل"محضة بحيث تستطيع كل ثقافة أن توجهها بحسب قيمها, فهذه حكمة مشتركة, وصواب الفكر الغربي فيها أكثر من ضلاله.

بل إن المجتمع الغربي اليوم لم ينفرد بها فهناك أمم أخرى تشارك في هذا الانتاج التقني ان لم تكن أكثر تفوقًا, وعلى وجه الخصوص اليابان والصين والهند, وتعتبر ظاهرة التلزيم (outsou صلى الله عليه وسلم cing) من أهم الظواهر التي كشفت تحولات التركز في الخبرة التقنية العالمية, بحيث صارت تعهدات التصنيع الخارجي في مناطق العمالة الرخيصة تخلق أقطاب خبرة تكنولوجية جديدة ليست في العواصم الغربية.

ووجه أغلبية الصواب في هذا الباب أن هذه المنتجات مستمدة من القوانين الكونية المحضة التي أودعها الله الطبيعة, فهي حظ مشترك لاتتفاوت كثيرًا بسبب الخلفية الدينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت