والمرحلة الثانية كانت مرحلة النص وكان التركيز فيها على بنية النص ذاته بغض النظر عن السياق التاريخي, وقد أثر في الدفع بهذه المرحلة إلى الوجود بحوث العالم الألسني دي سوسير الذي توفي مطلع القرن الماضي وذلك في كتابه عن علم اللغة العام والذي جمع من محاضراته بعد وفاته وركز فيها على التفريق بين المحور السنكروني والدياكروني, فكان هذا التمييز المنهجي بين المحورين الآني والتطوري هو النافذة التي انبثق منها التفكير البنيوي, معززًا بإنتاجات المدرسة الشكلانية الروسية, وسرعان ما انتشر هذا النموذج الألسني إلى بقية العلوم الإنسانية وخصوصًا على يد أنثروبولوجيا شتراوس وكتاباته حول الأشكال الأولية للقرابة, ثم جاك لاكان في التحليل النفسي وألتوسير في تأويل الماركسية, ووصل هذا النموذج البحثي إلى ذروة جاذبيته حين قاربه مؤرخ الأفكار الشهير ميشال فوكو في آركيولوجياته حول التطورات الإبستيمية للتاريخ الأوروبي وذلك في كتابه ذائع الصيت الكلمات والأشياء.
صحيح أن فوكو كان يتملص من بنيويته بعد خبوها لاحقًا, لكن الباحثين والمؤرخين جرت عادتهم على اعتبار هذا الرباعي وهم شتراوس ولاكان وألتوسير وفوكو أبرز تطبيقات البنيوية, كما نجد ذلك عند روجيه جارودي في كتابه"البنيوية فلسفة موت الانسان", وعند كريزويل في"عصر البنيوية", بل حتى عند المؤرخين النقاد العرب كصلاح فضل وغيرهم, وأهم دارسي فوكو في كتابهما"ميشال فوكو مسيرة فلسفية"مالوا الى تبني هذه البنيوية المرحلية في خطاب فوكو.
وربما كانت ثورة الطلاب في فرنسا نهاية الستينات -بحسب مؤرخة البنيوية كريزويل- هي الإعلان الرسمي لنهاية البنيوية والتي هي رمز عصر النص وبداية عصر جديد تحول فيه الاهتمام إلى"القارئ"بمعنى البحث في دلالات الخطاب, لا على أساس المؤلف ولا على أساس النص, بل طبقا لوعي القارئ, فشاعت -بدرجة أقل- تفكيكية جاك دريدا ومفاهيم الغراماتولوجيا, وانتعشت جماليات الاستقبال ونظرية التلقي على يد هولب, وبلغ هذا المنهج ذروته التفتيتية في شعار"النص رياضيًا يساوي عدد القراء".
وفي بحر السبعينات, وعلى مائدة مستديرة في الكوليج دي فرانس, تمتم مؤرخ الأفكار المعروف"ميشال فوكو"في توطئة محاضرته عن النظريات التفسيرية عند الثلاثي (نيتشة, فرويد, ماركس) بحلم حالت المنية دون تحقيقه, وذلك حين قال:
(الحقيقة أن هاته الأفكار التي أعرضها عليكم تخفي من ورائها حلمًا: وهو أن نتمكن ذات يوم من وضع نوع من الموسوعة التي تضم جميع"تقنيات التأويل"التي أمكننا معرفتها ابتداء من النحاة الإغريق إلى أيامنا هاته, وإني أظن أن هاته المدونة الضخمة التي تضم جميع تقنيات التأويل, لم يكتب منها حتى الآن إلا فصول قليلة) .
والحقيقة أن من يتأمل في كثير من التقنيات التفسيرية الحديثة التي سلطت على التراث يلاحظ دورانها كثيرًا حول مفهوم"السلطة"سواء كانت سلطة السيادة أو إرادة السلطة كما في الاتجاهات النيتشوية, أو سلطة المال أو البعد الاقتصادي أو البنية التحتية المتعلقة بأنماط الإنتاج كما في التفسير الماركسي, أو سلطة الليبيدو الفرويدي أم غيرها.
ويلاحظ القارئ"الهادئ"أن هذه التقنيات التفسيرية الباحثة عن دور السلطة في تشكيل النص لم يكن وهجها بسبب"عبقريتها"وإنما كان وهجها بسبب"تطرفها", فدور السلطة والمال والجنس وغيرها من الدوافع في تشكيل النص والتاريخ هي معطيات معروفة مسبقًا وليست جديدة, وإنما الذي صنع لها هذا الدوي والزخم إنما هو التطرف في جعلها العامل الحاسم.
فالوحي الإلهي ومن بعده علماء التراث كشفوا عن هذه السلطات وغيرها بشكل مبكر ولكنهم"أعطوها حجمها"ولم يبالغوا في تتبع تشكلات التاريخ بناء عليها, وهذا انعكاس لبنية الاعتدال الشرعي, وبنية الغلو الغربي.
ففي الحديث الشهير الذي رواه الترمذي وغيره وصححه غير واحد من الحفاظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«مَا ذئبان جَائِعَانِ أُرسِلاَ في زريبة غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِنْ حِرصِ المرء على المال والشَّرَف لدينهِ»
فبين النبي صلى الله عليه وسلم سلطة الشرف وسلطة المال في تشكيل شخصية الفرد, وقبل هذا الحديث فقد أشار القرآن إلى دور هاتين السلطتين فقد حكى الله عن أصحاب الشمال قولهم:
{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ, هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلك في موضع آخر إلى سلطة المال وسلطة الغريزة الجنسية, فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عمر:
« ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إِليه » .
وتكلم علماء السلوك الإسلامي كثيرًا حول"قوادح التجرد"وأسهبوا في ذكر هذه السلطات التي تؤثر على المعرفة وتخلق التحيزات الداخلية, كسلطة الآباء وسلطة مشاكلة الأصحاب وسلطة الجاه وغيرها كثير, ومن ذلك ماذكره بشكل تفصيلي منظم الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة.
بل إن الناقد السعودي المعروف عبدالله الغذامي في كتابه الخطيئة والتكفير حين شرح أسس السيميولوجيا نقل نقلًا عن الإمام أبي حامد الغزالي وقارنه بما وصلت إليه السيميولوجيا الحديثة ثم ذكر أنه يبدو أن السيميولوجيا الحديثة لم تكد تتقدم شيئًا بعد الغزالي!
وما نقله الغذامي عن الغزالي مبثوث عند غيره من علماء التراث, وأحيانًا بشكل أكثر تفصيلًا.
والمقصود هاهنا ذكر أن أكثر هذه التقنيات التفسيرية الحديثة لم تأخذ دويها الاعلامي بسبب جدتها بقدر ما هو مغالاتها في تحويل الدافع الطبيعي إلى عامل حاسم ومطلق يجيب على كل الظواهر.
وقد سبقت الاشارة الى أن الأداتين المفضلتين في خطاب أنسنة التراث هما أداتي التسييس والمديونية, بل كادا أن يكونا محور تلك الأطروحات التفسيرية كلها, بحيث تؤول اليهما كل تلك النتائج.
والجدير بالذكر أن الأصول الرئيسية لتلك التأويلات هي أصلًا اطروحات استشراقية مبكرة رددها كبار المستشرقين أمثال شاخت ونللينو وجولدزيهر وغيرهم, وإنما كان الدور الجوهري الذي لعبه الفرانكفونيون العرب هو دور"الشراح"الذين أعادوا صياغة وترتيب تلك النتائج, وأكثروا من التنويع عليها, وغالب الاضافة لدى الشراح العرب إنما هي استلهام النماذج الاستشراقية في تطبيقات جديدة, أو اكتشاف شواهد جديدة لتلك النظريات التفسيرية, أما التخلص من طوق تلك الآليات الاستشراقية واستكشاف دور"النص"في تشكيل الحياة العامة للتاريخ الاسلامي فهو نادر فيهم.
والواقع أن أداة"المديونية"بمعنى تتبع حضور الآخر في الذات, أي استكشاف أثر الثقافات السابقة على الثقافة اللاحقة هي في أصلها جزء من منظومة الأدوات العلمية لتحليل الخطاب, وقد وظفها المبدعون في التراث الاسلامي بشكل رائع ولكن دون مغالاة ولاتعسف ولاتكلف, بل باعتبارها عامل ضمن شبكة عوامل مركبة, لا باعتبارها العامل الحاسم, ولابتكلف رد كل شئ اليها.
فالدراسات الاستشراقية -وتبعًا لذلك شراحها من الفرانكفونيين العرب- تحاول رد كل مفاهيم التراث الاسلامي التشريعية والسلوكية الى الثقافات السابقة للاسلام وتصوير التراث كحالة اقتراض ثقافي, ويستبعدون الوحي من أن يكون منبعًا لتلك التصورات.