فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 2255

ولذلك فإن جمهور الأعمال العبادية المحضة تندرج في"الأحكام التكليفية"باعتبارها الصورة النهائية للمراد الإلهي, وجمهور الأعمال المدنية الدنيوية تندرج في"الأحكام الوضعية"كالسبب والعلة والشرط والمانع باعتبارها وسيلة للحكم التكليفي.

ومن ثم ينبني على هذه الرؤية تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه"العبودية".

وتفريعًا على اختلاف هذين الاتجاهين في تحديد الوسيلة والغاية انبنت أكثر الفروق الهائلة والتفاصيل اللانهائية من الآثار, واستتبع ذلك تفاوتًا كبيرًا في المواقف, فكل قضية فكرية يختلف فيها الناس تجد فريقًا لحظ أثر هذا الموقف على العبودية والفضيلة فاتخذ موقفا معينا, بينما الفريق الآخر لحظ علاقة هذه القضية بالحضارة والمدنية فاتخذ موقفًا مغايرًا, فكل فريق معني بغايته ومقصده النهائي.

والحقيقة أن كتاب الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية, بل حسمها بشكل يقيني واضح صريح وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغة حاصرة فقال سبحانه وتعالى:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]

وبين سبحانه أنه إنما بدأ خلق الإنسان في هذه الدنيا ثم بعثه بعد موته ليحاسبه على هذه الغاية وهي القيام بالعبودية كما قال سبحانه:

{إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس:4]

وفي كثير من المواضع ينبه سبحانه وتعالى بين ثنايا الآيات على أن وظيفة الخلق وغايته إنما هي ابتلاء الناس في هذه العبودية كما قال سبحانه:

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] .

وحسن العمل هذه الآية ونظائرها هو الإيمان والعمل الصالح على حسب درجاته الشرعية, ولو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود الأولوي بحسن العمل لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلًا, لأن الله سبحانه قد أثبت تميز تلك الأمم أصلًا في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا, كما قال تعالى عن الأمم السابقة:

{كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9]

وقال عن علمهم المدني:

{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]

وبين سبحانه وتعالى وظيفة النبوات والكتب السماوية والشرائع وأنها كلها تهدف لتأكيد عبادة الله والاستعداد للحياة المستقبلية بعد الموت, وليست المنافسة العالمية في المدنية والحضارة الدنيوية, كما قال تعالى عن وظيفة الرسل:

{ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ..الآية} [النحل:36]

وذكر سبحانه السؤال الإلهي عن تحقيق هذه الغاية فقال سبحانه:

{يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام:130]

وقال سبحانه مبينًا وظيفة الشرائع:

{ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} [البينة:5]

وغير ذلك كثير من محكمات الوحي التي كشفت بشكل حاسم غاية خلق الإنسان, والذي يعنينا هاهنا ذكر بعض الشواهد لا استقراؤها.

غائية الحضارة في سلم الوحي:

بكل وضوح وصراحة, وبلا مجاملة ولا مداورة ولا التفاف .."الحضارة"بالمعنى الشائع -والتي هي العلوم المدنية الدنيوية لخلق الرفاه البشري- هي قيمة ذات مرتبة تبعية في الوحي الإلهي, وليست الغاية ولا الأولوية الرئيسية أو القضية المركزية كما نحب أن نتظاهر بذلك, أعلم أن هذا الأمر يزعج الكثيرين, بل ويؤلمهم, لأنهم يريدون بالكثير من حسن النية كسب تعاطف النخب المثقفة تجاه الإسلام, لكن هذه هي الحقيقة.

إننا يجب أن نكسب انتماء الناس إلى الإسلام والقرآن والنبي محمد كما هم في ذاتهم, أي كما كانوا فعلًا لا كما جعلناهم نحن عبر عمليات إعادة التصنيع والتشكيل طبقًا لميول المستهلك, الإسلام في نسخته الحقيقية الصادقة لا الإسلام الذي يميل إلى سماعه المخاطبون, النبي محمد كما عاش فعلًا بين حرَّات طابة لا صورة النبي المصممة للذوق الفرانكفوني.

والشواهد وأوجه الدلالة التي تبرهن أن المدنية الدنيوية ذات قيمة ثانوية باعتبارها مجرد وسيلة لنصرة الإسلام وتحقيق شرائعه تابعة لهذا الهدف, وليست غاية في حد ذاتها أو مجالًا لمنافسة الشعوب والأمم في امتلاك الدنيا, هي شواهد تفوق الحصر.

لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس"مركزية الآخرة"في مقابل"مركزية الدنيا", هذا الأمر واضح في القرآن بشكل يخجلنا أن نورد شواهده, ولكننا كثيرًا ما نحب أن نتجاهل ذلك, ونتعسف في قلب هرم الاهتمامات القرآني.

تدفعنا كثيرًا محاولة إرضاء الآخرين إلى عرض القرآن باعتبار أن رسالته الأساسية"العمران المادي"! والحقيقة أننا نكذب على القرآن, ونضعه في موقع لم يأت ليضع نفسه فيه.

لا.. أبدًا.. لم يأت القرآن بألوية العمارة المادية, بل جاء لعكس ذلك تمامًا, جاء ليؤسس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا, جاء القرآن ليحول الدنيا من"غاية"إلى مجرد"وسيلة".

بل إن بيان القرآن لخطر الدنيا في إضلال الناس عن الله أكثر من بيانه لوجوب عمرانها أصلًا, فالدنيا في التصور القرآني مجرد"وسيلة"خطرة يجب التعامل معها بحذر خوفًا من أن تجرفنا عن الحياة المستقبلية اللانهائية في الدار الآخرة.

إن أبرز مبادئ العقلانية تقديم المصلحة المؤبدة على المصلحة المؤقتة, ولذلك جاء القرآن بالتأكيد على هذه الحقيقة العقلية وتعزيز مقتضاها فقدم سعادة الآخرة الباقية المؤبدة على متعة الدنيا الفانية المؤقتة.

كثير من النخب المثقفة يشعر بالتبرم حين يسمع كلام القرآن في ذم الدنيا, لأنهم يخشون أن ينصرف الناس عن هذه الوسيلة فنبقى مجتمعًا ضعيفًا, وهذا نوع من الاستدراك على الله!

ولذلك كان وسيظل ينبوع الانحراف الثقافي بكل اختصار: الانبهار بالمظاهر المادية من عمران ومدنية وحضارة دنيوية, والزهد في مضامين الوحي من العلوم الإلهية وحقائق الإيمان والغيبيات ومعاملة الله سبحانه تعالى.

كثيرًا ما يشير القرآن إلى أن كل ما على هذه البسيطة من موارد وإمكانيات ليس المراد بها رفاه الجنس الإنساني, وإنما المراد بها ابتلاء الناس وامتحانهم هل يؤمنون ويقبلون على الله أم يعرضون عنه؟ كما قال تعالى:

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7] .

وكشف تعالى عن وظيفة المعايش المدنية والتمكين السياسي فقال سبحانه:

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10]

بل ويشير تعالى إلى عظمة هذا التمكين المدني وعمقه فيقول تعالى:

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأحقاف:26]

فانظر كيف عرض الله سبحانه وتعالى"المعايش المدنية"باعتبارها"نعمة"من الله لابتلاء الناس, لا أنها هي المطلب الشرعي الرئيس, ثم يؤكد تعالى على الغاية الشعائرية والحسبوية من نعمة التمكين السياسي في موضع آخر فيقول سبحانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت