{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} [الحج:41]
وحين يعرض الله الصورة الراقية للمؤمن يؤكد أنه ذلك الرجل الذي لا يشغله النشاط الاقتصادي عن الغاية الحقيقية العبادية, وأن الدنيا في يده لاتعظيم لها في قلبه, لأن نظره الحقيقي مربوط بلحظة لقاء الله, فيقول تعالى:
{رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37]
وينبه الله تعالى في مواضع كثيرة من الوحي على أن المنزلة والمكانة الحقيقية عند الله ليست بالمظاهر المدنية المادية, ولا بالإمكانيات الاقتصادية والديموغرافية, فقال سبحانه:
{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ:37]
وما ذلك كله إلا لتفاهة الممتلكات المادية في"ميزان الله"فهل يا ترى ستكون موازيننا تابعة لميزانه سبحانه وتعالى, أم ستكون لنا موازيننا الخاصة؟!
وقد كشف الله في مواضع كثيرة تفاهة هذه المظاهر المادية من وجوه متعددة, فلاتخلوا طائفة من آيات القرآن إلا وفيها التنبيه على حقارة الدنيا وأنها مجرد لعب, ولهو, ومتاع, وزينة, ونحوها من الألقاب, والجامع بين هذه الأوصاف كلها هو كونها"لذة مؤقتة".
ويكشف الوحي في مواضع متعددة عن قانون الانحراف في التاريخ, حيث يكاد القرآن أن يربط كل مظهر من مظاهر الخلل العقدي والأخلاقي به, ألا وهو"الانبهار بالمظاهر المادية"وتعظيمها وامتلاء القلب بالتعلق بها, وتأمل في واقع الناس اليوم وستجد دقة هذا الناموس القرآني, حيث تكاد أن تجد كل"ضلال فكري"أو"انحراف سلوكي"إنما منشؤه تعظيم الدنيا, كما في قوله تعالى:
{ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} [القيامة:20-21]
ولذلك كثرت موازنة القرآن بين المنجز الدنيوي والمنجز الأخروي, كقوله تعالى:
{أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص:61]
ويبين سبحانه أن هناك طريقين: طريق الإنجاز الدنيوي وطريق الإنجاز الأخروي, كما قال تعالى:
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا} [الشورى:20]
وفي ثلاث آيات عجيبة من سورة الاسراء شرح سبحانه وتعالى معالم هذين الطريقين, فقال عن طريق الانجاز الدنيوي:
{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) }
ثم في الآية التي تليها وضح طريق الانجاز الأخروي فقال سبحانه:
{ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) }
ثم في الآية الثالثة عقب على المشهدين كليهما بهذا التعقيب البليغ:
{ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) }
وفي لغة حاصرة يبين تعالى أن كل ما في هذه الحياة الدنيا إنما هو متاع وأن الموارد الحقيقية غير الناضبة إنما هي في الآخرة, كما قال تعالى:
{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الشورى:36]
ويقول تعالى أيضًا:
{وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60]
وفي موضع آخر يصف الدنيا بأنها لعب ولهو في مقابل الحياة المستقبلية الحقيقية فيقول تعالى:
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [الأنعام:32]
وفي مشهد انتقاص من تلك الشخصيات التي امتلأت قلوبها فرحًا ولهجًا بالمنجزات والممتلكات المادية يقول تعالى:
{وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد:26]
ويشير تعالى إلى أن كل هذه الممتلكات المادية سيودعها أصحابها مع أول خطوة في طريق الحياة المستقبلية فيقول تعالى:
{وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94]
ونظائر هذه المعاني في كلام الله وكلام رسوله لايكاد يحصيها العاد, ولاتخفى على مسلم ولله الحمد, وإنما أردنا الإشارة إلى شواهد من معانيها الكلية والقدر المشترك الذي تواردت عليه, أما أعيان أدلتها فلا سبيل إلى استيعابها أصلًا.
موقف النبوات من الحضارات:
أرشيف التاريخ البشري حافل بالكثير من التجارب الحضارية والمدنية بحسب سياقها التاريخي, فالمدنية لا تقاس بما بعدها من تطورات بل بظرفها التاريخي والإطار المعرفي الحاكم للحظتها الزمنية, فالإبداع المدني حكم نسبي يكتسب وزنه من حجم المسافة التي يقطعها في لحظة تاريخيةٍ ما, وسواء كانت قراءتنا لتاريخ الحضارات قراءة خطية أم قراءة قطائعية فإنه سيظل السابق شرطًا للوجود التاريخي للاحق بشكل يكشفه التسلسل التراتبي للأسئلة وإجاباتها.
وبهذا الاعتبار فإن المؤرخين الموسوعيين سجلوا لحظات التراكم المدني في الحضارات السابقة, كالحضارة السومرية والإغريقية والرومانية والمصرية والفارسية والهندية والصينية وانتهاء بالحضارة الغربية الحديثة, ورصدوا ما فيها من الفلسفة والمنطق والفنون والعمارة والنقوش وغيرها.
ولا زالت بعض آثار تلك الحضارات وعجائبها شاخصة اليوم في المتاحف العالمية والمشاهد السياحية, بل إن بعض نظرياتها تدرس إلى اليوم في العلوم الحديثة أو هي كالمسلمات التحتية لنظريات أخرى, ولذلك لا تكاد تجد علمًا من العلوم المعاصرة إلا ويدرس في المدخل إليه جذوره في الحضارات السابقة, وفتوحه الجوهرية التي أفضت إلى تطوره الحديث, ولا سيما الربط بالحضارة اليونانية لتميزها العقلي من جهة وللانحيازات الغربية إليها من جهة أخرى.
وفي الواقع أن بعض الشباب المسلم لازال يتساءل بحرقة: ما الموقف الشرعي المنشود إزاء الحضارة المعاصرة؟ وما الجواب الحاسم تجاه هذه الإشكالية؟
والحقيقة أن من تأمل وتدبر صادقًا متجردًا تعامل الأنبياء مع المنجزات الحضارية ومخزون العلوم والفنون المدنية في عصورهم انكشف له منهج التعامل الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى لنا في موقفنا تجاه الحضارة المعاصرة, وهذا الموضع تسكب عنده العبرات, وهو كافٍ بذاته للدلالة على المقصود, ويغني عن كل تفاصيل هذه المقالة برمتها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت العالم: الرومانية والفارسية والهندية والصينية, فالأولى امتدت لأوروبا والثانية حاضرة في الشرق الأدنى, والأخريان شبه معزولتين, وكانت معاهد العلوم فيها شامخة, فضلًا عن مخزون حضاري متراكم من الحضارة الإغريقية والمصرية.