فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 2255

فبداية كثير من هؤلاء الكتاب -شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحوْل كثيرًا بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسو الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلًا عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل"وسيليتها"المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقًا للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يومًا بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.

ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءًا، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في"السنة النبوية"وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيئ إلى أسوأ.

وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتانًا- فإن كثيرًا منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجيًا إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.

والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله:

(وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم:ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/483)

بل وطائفة من هؤلاء يشنع أحيانًا فيما ليس معه فيه برهان, بل قد يكون الراجح مع من خالفه, كما قال الامام ابن تيمية في واقعة مشابهة:

(وطائفة ممن يقول بأن النبي"رأى ربه بعينه"يكفرون من خالفهم, لماظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة, كما فعل"أبوالحسن علي بن شكر"فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة, وقد يكون مخطئا فيه, إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة, أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده) الفتاوى 16/433

ولكن العاقل لاينحرف عن الشرع انتقامًا من أخطاء بعض المنتسبين له, فإنه ما ضر إلا نفسه, وإنما كمال الإيمان أن ينظر العاقل في النصيحة ويستغفر لمن أخطأ عليه, ويراجع علاقته بربه فإن كان على صواب مضى وإن كان على خطأ أناب.

ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الاعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهمًا كبيرًا, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفًا دائمًا يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.

وبعد هذا العرض الموجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة سننتقل إلى المناقشة الموضوعية لإشكاليات هذا الخطاب وعلاقتها بأصول الوحي, وسنحاول أن نركز على استعراض"حقائق الوحي"التي أضاعها هذا الخطاب وضمرت فيه وغابت في زحمة جموحه المدني.

وظيفة الإنسان:

ما هي وظيفة الإنسان؟ هذا هو السؤال/المدخل الذي تعود إليه الاختلافات الجوهرية للاتجاهات الفكرية كما سبق أن أشرنا, وهناك اتجاهان رئيسيان في الجواب على هذا السؤال:

أولهما هو"الاتجاه المدني"ويرى أن وظيفة خلق الإنسان هي"العمارة"وكل ماسوى ذلك وسيلة لها, فالوحي والشرائع والعبادات إنما هي وسائل لتحقيق العمارة والحضارة والمدنية, فالعمارة هي الغاية الجوهرية والأولوية الرئيسية للإنسان, وانبنى على ذلك أن اشتغل هذا الخطاب بقضية التمدن وتوجيه كافة المعطيات الأخرى إليها والتسامح في كل ماسواها, ومن ثم تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه"المدنية"الدنيوية.

و"المدنية"بحسب هذا الاتجاه مفهوم شامل يدخل فيها كل ما يدفع باتجاه تحقيق الرفاه البشري وسعادة الجنس الإنساني في كافة ميادين الحياة الدنيوية, والتقدم في العلوم الفلسفية والإنسانية والطبيعية والفنون, ونحوها.

أما الاتجاه الثاني وهو"الاتجاه الشرعي"فيرى أن وظيفة الإنسان هي"العبودية"بمعنى أن الله خلق الإنسان وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتدل الناس على الله وعبادته, وبيان دقائق ما ينبغي له سبحانه وما لا ينبغي في معاملته جل وعلا, وبيان قواعد تنظيم حقوق العباد, وأن كل ما في هذه الدنيا إنما هو متاع ولعب ولهو, فيجب أن يستعان بما يحتاج منها على عبودية الله, وكل ما لم يعن على عبودية الله ولم يؤد إلى هذا الغرض فهو دائر بين مرتبتين لا ثالث لهما: إما محرم يجب الكف عنه، وإما فضول يشرع الزهد فيه.

فالعمارة والحضارة والمدنية مجرد وسيلة لإظهار الدين وإقامة الشعائر والشرائع, فلا يحمد من هذه المدنية إلا ما حقق هذه الغاية, وتتلخص منزلة المدنية بكل اختصار في المبدأ الأصولي الشهير المعروف بـ"بمقدمة الواجب"والذي ينص على أن: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ، وعليه فإنه إذا تم بدونه فلا يجب.

وحين تكلم الإمام ابن تيمية عن"وظيفة الدولة"حسب التصور الإسلامي في كتابه"السياسة الشرعية"قدم تلخيصًا هامًا يكشف وسيلية المدنية وكونها مرتبطة بالغاية الدينية, كما يقول الإمام ابن تيمية:

(فالمقصود الواجب بالولايات:

1-إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا.

2-إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم).

و"العبودية"بحسب هذا الاتجاه نظام من الشُّعَب التدريجية الشاملة أعلاها قول لاإله الا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, فتبتدئ بإفراد الله وتجريد القلب له ويليها الفرائض العينية ثم الفروض الكفائية التي يتحقق بها نفع الناس في مصالحهم العامة.

واذا تزاحمت شعبتان من شعب العبودية فلايقدم مايتعلق بالشأن المدني مطلقًا, بل ثمة قواعد شرعية دقيقة في المفاضلة والموازنة بين مراتب الاهتمامات والأعمال والشؤون العامة, ككون رعاية الفضيلة مقدمة على الحرية الفنية, وتقديم الفرض العيني على الكفائي, وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص, وتقديم الواجب على المندوب, ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت