مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية -موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالًا خطيًا تراكميًا من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ماكان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.
أزعم أن الجزء الأكبر من فاتورة الارتباك الفكري لدى هذه الشريحة الشبابية المحلية تتحمله الإجابات الخاطئة عن سؤال الحضارة, والتي كانت نتيجة الاصطدام ببريق الخطاب الفرانكفوني تحت ضغوط الحادي عشر من سبتمبر والتي كان وسطنا الثقافي فيها أشبه بالمسافر اللاهث الذي يتعلق بأقرب حافلة لايهددها قراصنة البيت الأبيض, بغض النظر هل كانت تلك الحافلة ستبلغه غايته أم ستنعطف به إلى غاية أخرى.
ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من"أعواد المنبر"فترة التسعينات إلى"قفص الاتهام"بعد سبتمبر بدد شيئًا من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لاتتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.
وهذا يعني -كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر, تمامًا كما أننا نشاهد الهياج والصخب والإدانات العشوائية كأعراض طبيعية تصاحب الوهلة الأولى للحادث المروري ثم تعود الأمور إلى مجاريها وتكمل المسيرة طريقها بمجرد تجاوز آثار الدهشة الأولية.
وقد علَّمنا التاريخ دومًا أن الكساد المرتبط بظروف سياسية ينتهي بنهايتها, ولذلك فإن الجزيرة العربية التي ارتدت لظروف موت الرسول استعاد الخطاب الإسلامي موقعه فيها مباشرة بعد استقرار الخلافة على يد الصديق.
وعلى أية حال ومهما كانت ظاهرة الغلو المدني ظاهرة مؤقتة بحكم كونها مرتبطة بخلفيات حادث أمني فإننا مع ذلك يجب أن نبادر إلى تحليلها وتفكيك بنيتها الداخلية والإجابة على الأسئلة التي تشغلها وتملأ بها مقالاتها الصحفية وسجالاتها الإلكترونية وتعليقاتها الفضائية, ذلك أننا نفترض أولًا وقبل كل شئ أن ثمة عوامل موضوعية منحت هذه التساؤلات المشبوبة معنى معينًا في لحظةٍ تاريخيةٍ ما, وعليه فلا يجوز أن نعاملها باللامبالاة الباردة.
قانون المتوالية الفكرية:
حين تطالع الكتب المعنية بتأريخ الأفكار والمذاهب والمقالات الفلسفية المنقولة عن سائر الأمم فإنك كثيرًا ما تصيبك الدهشة من غرابة بعض الأفكار والمقالات في صورتها النهائية وتناقضها مع بدهياتٍ ظاهرة, فيأخذك التساؤل: كيف وصل أصحابها إلى مثل هذه القناعة الغريبة؟! وكيف غابت عنهم الأمور الواضحة؟!
الواقع أن كثيرًا من الأفكار والمقالات الممجوجة في صورتها النهائية, أو المتناقضة مع أبجديات الوحي والعقلانية إنما بدأت بالتزام"مبدأ نظري"معين دون الاستكشاف المسبق لكافة آثاره النهائية ولوازمه ومؤداه, وفي ثنايا سجالات الفرقاء ينجرف صاحب المقالة إلى الالتزام التدريجي لمقتضيات هذا المبدأ بهدف الاحتفاظ بعنصر الاطراد وعدم التناقض, فيتجارى به ذلك حتى يصل إلى مستشنعات ما ظن أنه سيصل إليها يومًا ما, وهو ما يمكن تسميته قانون"المتوالية الفكرية".
وقد كان الإمام ابن تيمية كثيرًا ما يشير إلى هذه الظاهرة العلمية لتطور الأفكار في ثنايا مناقشاته للمقالات الفلسفية كما يعبر مثلًا بدقة بالغة فيقول:
(فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم عن النقص والفساد, فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب الأحاديث النبوية) درء التعارض (7/106)
والواقع أن"قانون المتوالية الفكرية"كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعًا في البداية بمقصد حسن نبيل وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:
فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية) .
أما أداة"التسييس"فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة, أما أداة"المديونية"فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.
أما الفريق الآخر -وهم الأكثر- فقد استسلم لاشعوريًا للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول -بحسن نية أيضًا- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلًا, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث, وأصبح مهمومًا بمعاتبة الإسلاميين للظهور بمظهر مدني يتناسب مع الذوق المدني الحديث.
وبطبيعة الحال فمع كل عمليات إعادة التأويل التي مارسها هذا الخطاب على الوحي والتراث بما تتضمنه من استحضار واستبعاد موجَّه لنصوص وأعلام معينين بهدف التوافق مع الصيغة المدنية الحديثة, فإن طبيعة الوحي والتراث في ذاتها تأبَّت على ذلك وبقي المضمون الجوهري للوحي حيًا لا يمكن تعتيمه, فمع كل النصوص التي ابتسروها مثلًا عن ابن رشد أو الشاطبي أو ابن خلدون أو ابن حزم أو غيرهم فقد بقيت نصوص هؤلاء ذاتها تنقض النتائج النهائية لهذه المدرسة, فضلًا عن صورة القرون المفضلة, بل فضلًا عن نصوص الوحي ذاتها, وسنحاول إيراد شئ من ذلك في موضع لاحق.
بل لقد أصبحت صورة الخطاب صورة تلفيقية باهتة تعاني في تركيبها الداخلي من هشاشة معرفية عميقة نتيجة كونها تعتمد على الانتقائية والتغييب دون منهجية أو معايير واضحة يمكن التحاكم اليها, بمعنى أنها أصبحت خليطًا من النتائج القابلة لإثبات العكس, فيستطيع خصوم الرؤية الإسلامية إضحاك القارئ عليها بكل بساطة, فالآيات الكثيرة في بيان مركزية الآخرة وذم الدنيا والرفاه, واللغة الغيبية في التعامل مع الظواهر, والمقياس الديني لصيغ العلاقات, وبيان انحطاط الكافر وأنه في منزلة الأنعام والدواب, واعتبار علوم الكفار علومًا ظاهرية, وشكل الحدود الجنائية الصريحة, وغيرها كثير لا تستطيع أن تقاومها كل تعسفات الخطاب المدني في إعادة تفسير التراث.
والمقصود هاهنا الإشارة إلى تطورات هذا الخطاب المدني الجديد وأن أكثر انحرافاته النهائية كانت مضاعفات يجمح بعضها ببعض, مع تفاوتهم فيها تفاوتًا هائلًا.