وفي فتح مكة في العام الثامن من الهجرة أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم الأمان العام لكن الناس، فقال:"من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه عليه فهوآ من ومن دخل المسجد فهو آمن" (6) . وعهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم بدخول مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم (7) ..
وعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة، ونتيجة لذلك ؛ دخلت أعداد كبيرة منهم في الإسلام..!
هوامش المبحث التاسع:
1-صحيح ـ رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 9\ 220) ، وهو في الإرواء (1\ 57) .
2-انظر: السهيلي: الروض الأنف 4\ 48،وابن هشام: السيرة النبوية 2\ 316، وابن كثير: السيرة النبوية 3\ 320، وصفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، 298، وعلي محمد الصلابي: السيرة النبوية، 2\284.
3-انظر: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم: جوامع السيرة 1 / 209 .
4-انظر: محمد بن يوسف الصالحي الشامي:سبل الهدى والرشاد 5\ 52.
5-ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 201، محمد بن يوسف الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 4 / 376
6-ابن سيد الناس:عيون الأثر ، 2 / 188.
7-المصدر السابق: 2 / 194.
المبحث العاشر: خدمة الإنسانية ورعاية حقوق الإنسان
لقد كان الهدف من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وكل الغاية من حياته ومنتهاها هو أن يخدم الإنسان وأن يهذب الإنسان وأن يزكي الإنسان وأن يعلم الإنسان، وباختصار أن يجعل من الإنسان إنسانًا متمدنًا متحضرًا.
لقد كان مصدر إلهامه الوحيد والقاعدة الهادية الوحيدة له في أفكاره وأقواله وأفعاله هو المصلحة البشرية ..
لقد كان إنسانًا بكل ما في الكلمة من معان. وكانت سعادة نفسه ورضاها في التعاطف والتواد والمحبة الإنسانية.
تقول ايقلين كوبولد:
".. لعمري، ليجدن المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر محمد [ صلى الله عليه وسلم ] روعة ما يستطيع لها تفسيرًا، وهي روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولًا ورجاء وخوفًا وأملًا، ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية" (1) .
إن مسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، الكفاحية ونضاله العظيم لنشر رسالة الإسلام قد أدت إلى نتائج عظيمة، أهمها: خدمة وحدانية الله بإسقاط الوثنية، ومن ثم خدمة الإنسانية كنتيجة منطقية بانتشار رسالة الإسلام بين الشعوب العربية من جهة ، ولكونها رسالة عالمية من جهة أخرى، فكان أن عم خيرها البشرية جمعاء، وقدمت الحلول المنطقية لخلاص الأمم من مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والروحية .
ويؤكد القس دافيد بنجامين كلدانى في مؤلفه:"محمد في الكتاب المقدس"هذه الحقيقة بأن الرسول خادم الله والإنسانية بقوله:
"إن الخدمة الجليلة العظيمة المدهشة التي قدمها محمد صلى الله عليه وسلم لله ، ولصالح البشر، لم يقدمها أي مخلوق من عباد الله ملكًا كان أو نبيًا، خدمته لله فإنه اقلع جذور الوثنية من جزء كبير من الأرض، وأما خدمته للإنسان فقد قدم له أكمل دين وأفضل شريعة لإرشاده وأمنه" (2) .
ويتابع القس دافيد بنجامين كلدانى القول:
"أقام دين الإسلام الذي وحد في أخوة حقيقية ، جميع الأمم والشعوب التي لا تشرك بالله شيئًا . إن جميع الشعوب الإسلامية تطيع رسول الله وتحبه تحترمه ؟ لأنه مؤسس دعائم دينها ، ولكنها لا تعبده أبدًا ولا ترفعه إلى مقام التقديس والتأليه" (3) ..
ويقارن عبد الله لويليام حال العالم بعد عهد محمد صلى الله عليه وسلم وبين عصر الجاهلية فيقول:"لما شرف محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ساحة عالم الشهود بوجوده الذي هو الواسطة العظمى والوسيلة الكبرى إلى اعتلاء النوع الإنساني وترقيه في درجات المدنية أكمل ما يحتاجه البشر من اللوازم الضرورية على نهج مشروع وأوصل الخلق إلى أقصى مراتب السعادة بسرعة خارقة. ومن نظر بعين البصيرة في حال الأنام قبله عليه الصلاة والسلام وما كانوا عليه من الضلالة.. ونظر في حالهم بعد ذلك وما حصل لهم في عصره من الترقّي العظيم رأى بين الحالين فرقًا عظيمًا كما بين الثريا والثرى" (4) .
إن عالمية الرسالة الإسلامية وإنسانيتها جعلت من النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، رسول البشرية جمعاء وزعيم مريدي الخير للإنسانية، وذلك كما يرى المستشرق السويسري ماكس فان برشم ( 1863 _ 1921 ) بمعرض حديثه عن دور النبي محمد صلى الله عليه وسلم التاريخي العظيم في حياة العرب والشعوب التي دخلت في الإسلام ، فارتقت من وهاد الضلالة إلى معارج النور والحضارة ، يقول في كتابه: « العرب في آسية » :
"إن محمدًا [ صلى الله عليه وسلم ] نبي العرب من أكبر مريدي الخير للإنسانية، وإن ظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] للعالم أجمع إنما هو أثر عقل عال ، وإن افتخرت آسية بأبنائها فيحق لها أن تفتخر بهذا الرجل العظيم ، إن من الظلم الفادح ، أن نغمط حق محمد [ صلى الله عليه وسلم ] الذي جاء من بلاد العرب وإليهم، وهم على ما علمناه من الحقد البغيض قبل بعثه، ثم كيف تبدلت أحوالهم الأخلاقية والاجتماعية والدينية بعد إعلانه النبوة ، وبالجملة مهما ازداد المرء إطلاعًا على سيرته ودعوته إلى كل ما يرفع من مستوى الإنسان ، إنه لا يجوز أن ينسب إلى محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ما ينقصه ، ويدرك أسباب إعجاب الملايين بهذا الرجل ويعلم سبب محبتهم إياه و تعظيمهم له" (5) ..
إلى جانب هذا، يبين فيليب حتي أن"صفات محمد [ صلى الله عليه وسلم ] مثبتة في القرآن بدقة بالغة فوق ما نجد في كل مصدر آخر. إن المعارك التي خاضها والأحكام التي أبرمها والأعمال التي قام بها لا تترك مجالًا للريب في الشخصية القوية والإيمان الوطيد والإخلاص البالغ وغير ذلك من الصفات التي خلقت الرجال القادة في التاريخ. ومع أنه كان في دور من أدوار حياته يتيمًا فقيرًا، فقد كان في قلبه دائمًا سعة لمؤاساة المحرومين في الحياة" (6) .
و تلخص الموسوعة البريطانية السيرة الكفاحية لحياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم واجتهاده في رفع راية التوحيد وعظمته عربيًا وإسلاميا وعالميًا فتقول:
"إن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) اجتهد في الله وفي نجاة أمته ، وبالأصح اجتهد في سبيل الإنسانية جمعاء"..
و".. امتدت أنوار المدنية بعد محمد [ صلى الله عليه وسلم ] في قليل من الزمان ساطعة في أقطار الأرض من المشرق إلى المغرب حتى إن وصول أتباعه في ذلك الزمن اليسير إلى تلك المرتبة العلية من المدنية قد حيّر عقول أولي الألباب. وما السبب في ذلك إلا كون أوامره ونواهيه موافقة لموجب العقل ومطابقة لمقتضى الحكمة" (7) .
و"ما أجمل ما قال المعلم العظيم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) : الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله" (8) .
إن الإسلام اعتنى بالإنسان أكثر من أي من الأنظمة الأخرى وكرم الإنسان من الأشكال بحيث ان الانتحار نجد ما يبرره إذا إنسان عمله. بينما الإسلام يمنع الانتحار لأن الإنسان له الكرامة العليا فهناك حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: سئل رسول الله من قتل هذا الشخص فقالوا لا ندري فقال القتيل بين المسلمين ولا تدري من قتله. والذي بعثني بالحق لو ان أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مسلم ورضوا به لأكبهم الله على وجوههم في النار. فلو ان كل المسلمين قبلوا على قتل واحد ظلمًا لوضعهم الله جميعهم في النار نتيجة هذا (9) .
وهناك آيات كثيرة في هذا الصدد ، تبين كيف رفع الإسلام من شأن الإنسان وصان حقوقه، بفضل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم: