بعدما عاشت الجزيرة العربية حياة الطبقية .. الغني يأكل الفقير، والقوي يبتذ الضعيف، ظهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته التي حققت العدالة الاجتماعية متمثلة في دولة المدينة المنورة من ناحية، وفي منهج الإسلام في مكافحة الفقر والمرض من ناحية أخرى ..
فالحكومة الإسلامية تحصل زكاة المال من الأغنياء لتردها إلى فقراء الشعب، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن ، أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم قائلًا:"أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (1) ..
وفي هذا يقول ول ديورانت:
".. لسنا نجد في التاريخ كله مصلحًا فرض على الأغنياء من الضرائب ما فرضه عليهم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] لإعانة الفقراء.." (2) .
من ناحية أخرى ، فقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مغبة منع الزكاة وتوعد مانع الزكاة بالعذاب الشنيع يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم:
"من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع ( نوع من الثعابين ) له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ( يعني شدقيه ) ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك".. ثم تلا النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ) ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة (آل عمران180"(3) ."
وقال:"ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" (4) .
وقال مرغبًا في مكافحة الفقر:"أطعموا الجائع وفكوا العاني" (5) .
هذا، وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أسخى الناس كفًا وعطاءًا، ما سُئل شيئا فقال لا !
وأعطى صفوان بن أمية غنمًا ملأت واديًا بين جبلين فقال صفوان: أرى محمدًا يعطى عطاء من لا يخشى الفقر !
ورد على هوازن سباياهم وكانت ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله!
وحُملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير !! فقام إليها يقسمها، فمارد سائلًا حتى فرغ منها! (6) .
وفي يوم ازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه فقال:"أيها الناس، ردوا علي ردائي، فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا" (7) .
ويلخص واشنجتون إيرفنج السلوك المالي للنبيمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله:
"كان الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع في يديه من غنائم في سبيل انتصار الإسلام، وفي معاونة فقراء المسلمين، وكثيرًا ما كان ينفق في سبيل ذلك آخر درهم في بيت المال.. وهو لم يخلف وراءه دينارًا أو درهمًا أو رقيقًا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض في الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة" (8) .
وهكذا، جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من مكافحة الفقر، سلوكًا وخلقًا وفرضًا إسلاميًا على كافة المسلمين ..
هوامش المبحث الثامن:
3.صحيح ـ وهو في الإرواء، وصححه الألباني في تخريج مشكلة الفقر، ص 36.
4.ول ديورانت: قصة الحضارة ، 13 / 59.
5.صحيح ـ أخرجه البخاري والنسائي وأحمد عن أبي هريرة.
6.صحيح -رواه البخاري في الأدب المفرد ( 112 ) و الحاكم ( 4 / 167 ) والخطيب في"تاريخ بغداد" ( 10 / 392) .
7.صحيح - أخرجه البخاري والدارمي وأحمد من حديث أبي موسى الأشعري.
8.انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر، ج 2 / ص 421، 422.
9.صحيح ـ صححه الألباني في تخريجح كتاب فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 392.
10.واشنجتون إيرفنج: حياة محمد ، ص303
المبحث التاسع: المعاهدات الداعمة للسلام
للنبي محمد صلى الله عليه وسلم الفضل الأعظم في نشر السلام في ربوع الجزيرة العربية، التي عاشت عدة قرون في حروب طاحنة ومعارك على أتفه الأسباب، وكثرت حروب"الفجار"التي انتهك أصحابها حرمة مكة وحرمة الأشهر الحرم ..
ولأول مرة تشهد الجزيرة العربية تلك المعاهدة المحمدية التي نادى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السادس من الهجرة، وهي المعاهدة المشهورة بـ"صلح الحديبية"..
رغم ما كان من بنود مجحفة بالمسلمين في هذا الصلح ..
وإن المتأمل لأحداث صلح الحديبية يتبين له حرص النبي محمد صلى الله عليه وسلم الشديد على تحقيق السلام وأنه كان دائمًا يجنح للسلم إن هيئت له أسباب إقامة السلام في أي زمان وفي أي مكان ..
فعندما قصد رسول صلى الله عليه وسلم العمرة مع أصحابه، في العام السادس من الهجرة، أبت قريش أن تسمح للنبي وأصحابه بإداء عبادة العمرة، وهذا الفعل من القريشيين يعد جريمة كبرى في عرف العرب، إذ كيف يُصد عن البيت من جاء معظمًا له !!
وعرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال:"قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" (1) ، فجاء سهيل فتكلم طويلًا، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي هذه (2) :
1 .الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه هذا، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثًا، معهم سلاح الراكب، السيوف في القُرُب، ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض .
2 .وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض .
3 .من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءًا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق .
4 .من أتي محمدًا من قريش من غير إذن وليه ـ أي هاربًا منهم ـ رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد ـ أي هاربًا منه ـ لم يرد عليه .
ثم ُدعي علي بن أبي طالب ليكتب مسودة الصلح، وكره سهيل بن عمرو ـ مبعوث القريشيين ـ أن يكتب في صدر الصحيفة"محمد رسول الله"وأبى عليّ بن أبي طالب، وهو كاتب الصحيفة، أن يمحو بيده"رسول الله"، فمحا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بيده، وأمر الكاتب أن يكتب"محمد بن عبد الله" (3) . ثم تمت كتابة الصحيفة، ولما تم الصلح دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب، ، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيدًا لذلك الحلف القديم ـ ودخلت قبيلة بنو بكر في عهد قريش (4) .
ومن المواقف التي تدل على حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على السلام، ما حدث في معركة الخندق ( الأحزاب) في العام الخامس من الهجرة، حيث حصار المشركون المدينة المنورة، فلما اشتد على المسلمين الحصار و البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى، وهما قائدا غطفان ـ في جيش الأحزاب ـ وعرض عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة والدواة، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصحيفة، وهو يريد أن يكتب الصلح بينهما، وعباد بن بشر قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مقنع في الحديد، فأقبل أسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه الرمح، ولا يدري بما كان من الكلام حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة.فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه (5) .
فرفضا هذه الفكرة..
ونزل النبي محمد صلى الله عليه وسلم على رأي الجماعة، فلم يتم هذا الصلح، لأن فيه إهانة لكرامة المسلمين، وتفريط في ثرواتهم !