وكان في جوف الكعبة أيضا أصنامًا فأبى أن يدخل وفيها الآلهة ، وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ."ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت (8) .
إنه لا يكسر الأصنام بيديه بل يكسرها بيد من عبدوها !
ولا يطمس صور البهتان على الأنبياء بل يطمسها الذين رسموها ..!
وفيما يلي نذكر مجموعة من المشاهد التي تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم نجح في تحطيم أصنام الجاهلية، حتى حطمها في قلوب من عبدوها !
1ـ لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح؛ بعث خالد بن الوليد إلى صنم العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان ـ سنة 8 هـ ـ ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم . وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها (9) .
2ـ ثم بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى الصنم سواع ليهدمه وهو صنم لهذيل برهاط، على قرابة 150 كيلوا مترا شمال شرقي مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد ؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه قال: لا تقدر على ذلك قال: لم ؟ قال تمنع قال: حتى الآن أنت على الباطل ؟ ويحك فهل يسمع أو يبصر ؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت ؟ قال: أسلمت لله . !! (10) .
3ـ وفي الشهر نفسه بعث سعد بن زيد بن الأشهلي في عشرين فارسًا إلى الصنم مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد ؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك (11) .
أرأيت كيف تحول حال هؤلاء الصحابة من أناس يقدسون الأصنام والأوثان إلى رجال موحدين، وقادة فاتحين، وعلماء ومفكرين .. ؟ !
وهكذا كان محمد بن عبد الله [ صلى الله عليه وسلم ] كما وصفه جورج حنا بإنه"كان ثائرًا، عندما أبى أن يماشي أهل الصحراء في عبادة الأصنام وفي عاداتهم الهمجية وفي مجتمعهم البربري. فأضرمها حربًا لا هوادة فيها على جاهلية المشركين وأسيادهم وآلهتهم. فكفره قومه واضطهدوه وأضمروا له الموت. فهاجر تحت جنح الليل مع نفر من أتباعه، وما تخلى عن النضال في نشر دعوته، وما أحجم عن تجريد السيف من أجلها. فأخرج من جاهلية الصحراء عقيدة دينية واجتماعية تجمع بين مئات الملايين من البشر في أقطار المعمورة" (12)
وهكذا، كان لمحمد صلى الله عليه وسلم الفضل الأعظم في دحر الوثنية التي طالما سقطت بمستوى الإنسان إلى دركات الحيوانية، حيث عبادة الأصنام والأبقار والفروج .. !
هوامش المبحث الأول:
3.نظمي لوقا:مسيحي من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية وإخلاصه العميق للحق. ورغم إلحاح أبويه على تنشئته على المسيحية منذ كان صبيًا، فإنه كثيرًا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة الرسول عليه السلام. بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددًا من الكتب أبرزها (محمد الرسالة والرسول) ، و (محمد في حياته الخاصة) .
4.نظمي لوقا: محمد في حياته الخاصة ، ص 12.
5.وول ديورانت: قصة الحضارة، نقلا عن: الإسلام مبدأ و عقيدة ص 48.
6.إميل درمنغم: حياة محمد، ص 300.
7.هنري دي فاستري: الإسلام: خواطر وسوانح ، ص16، 17
8.فاغليري: دفاع عن الإسلام ، ترجمة: منير بعلبكي، ، ص 43.
9.انظر: ابن كثير: السيرة النبوية، 3\ 573، والبداية والنهاية 4\ 346 ، محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة، 266.
10.المصدر السابق.
11.انظر: صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم ، 471.
12.انظر: المصدر السابق.
13.انظر: المصدر السابق
12-جورج حنا: قصة الإنسان ، ص 25.
المبحث الثاني: الارتقاء بالعرب من مستوى القبيلة إلى مستوى الأمة
تقول ايقلين كوبولد:
"كان العرب قبل محمد [ صلى الله عليه وسلم ] أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد [ صلى الله عليه وسلم ] بعث هذه الأمة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالًا وآجالًا.... لقد استطاع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] القيام بالمعجزات والعجائب، لَمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية.. لقد وفّق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور" (1) .
ولقد كانت الحياة العربية قبل الإسلام تقوم أساسًا على نمطية خاصة، فالقبيلة هي التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي يضمم حياة الفرد في القبيلة ، فكان انتماء العربي الجاهلي انتماء قبليًا ، وليس هناك أية رابطة عملية توحد القبائل وتجمعها ، بل على العكس كانت القبائل متناحرة متحاربة ، وإذا ما قامت أحلاف قبلية ، فلمناصرة قبيلة على أخرى ، وبالتحديد كانت القبيلة العربية تشكل وحدة سياسية مستقلة . .
ومن هنا كان الانقلاب الذي أحدثه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عميقًا في حياة الجزيرة العربية إذ استطاع بسياسته الكفاحية التي تمليها روح الإسلام أن يحول هذه الوحدات القبلية المستقلة ويرتقى بها لتظهر في إطار الأمة الإسلامية (2)
هذا، ويناقش المستشرق الفرنسي مارسيل بوازار فكرة « الأمة الإسلامية » ومغايرتها المفهوم الغربي، فيقول:
"ليس لفكرة"الأمة"الإسلامية مقابل في فكر الغرب ولا في تجربته التاريخية . فالجماعة الإسلامية، وهى تجّمع من المؤمنين يؤلف بينهم رباط سياسي وديني في آن واحد، ويتمحورون حول كلام الله القدسي ... و الفرد يندمج في الإسلام بالجماعة المؤمنة بالتساوي عن طريق شهادته، الفردية واستبطان إرادته وصفاته الخاصة كمؤمن، فالنية المعلنة والجهر بالكلام شرطان من شروط الانتماء إلى المجتمع . وبصورة تلازمية يحدد الامتثال لمشيئة الله البنية الاجتماعية . وهكذا تكون النظم التأسيسية للجماعة مشروطة بالعبادة الواجبة عليها نحو الله" (3) .
وهكذا، فإن"الإمة الإسلامية"ـ القائمة على الإيمان ـ التي أسسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت ولا زالت أقوى رباطًا وأوثق عرى من فكرة القبلية التي سادت في القرون الغابرة ..
ويؤكد ذلك المفكر الألماني رودي بارت (4) بقوله:
"كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فيها فسادًا. حتى أتى محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس" (5) .
ويقول رودي بارت ، في موضع آخر:
"جاء محمد بن عبد الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، النبي العربي وخاتمة النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة [في دعوته] لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضًا الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد المشركين.. ونشر الدين الحنيف.. وعندما قبض النبي العربي [ صلى الله عليه وسلم ] ، عام 632م، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيرًا فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل.." (6) .
هذا، ولقد أثار موضوع فضل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على العرب، اهتمام المنصفين، فهو الذي وحد الجزيرة العربية أول مرة في التاريخ في ظل حكم إسلامي ، متنور نقل العرب من الجاهلية إلى الحضارة والمدنية.. يقول الباحث الروسي آرلونوف في مجلة الثقافة الروسية ، في مقالة"النبي محمد [ صلى الله عليه وسلم ] "جاء فيها: