و الحق ـ كما يقول إميل درمنغم (22) ـ"أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحي إليه في غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها، والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت في رمال الحجاز الجديبة حبة سوف تجدد، عما قليل، بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطي. وليس لدينا ما نعرف به أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أبصر، حين أفاض من جبل عرفات، مستقبل أمته وانتشار دينه، وأنه أحس ببصيرته أن العرب الذين ألّف بينهم سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلاد فارس والشام وأفريقية وإسبانية" (23) .
ونستطيع أن ونوجز أهم الأعمال الحضارية التي قدمها النبي محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية في عدة نقاط، على النحو التالي:
1-نشر عقيدة التوحيد في ربوع العالم.
2-الارتقاء بالعرب من مستوى القبيلة إلى مستوى الأمة.
3-نشر قيم العدالة والمساواة
4-نشر قيم الحب والإخاء
5-نشر ثقافة التسامح الديني
6-مبادرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للحوار بين الحضارات!
7-تكريم المرأة وتحريرها من رق الجاهلية
8-مكافحة الفقر
9-المعاهدات الداعمة للسلام
10-خدمة الإنسانية ورعاية حقوق الإنسان.
وهذه الأعمال هي ما سنفصل فيها القول في هذا البحث ـ إن شاء الله ـ ..
هوامش التمهيد:
2.جوستنيان الأول جوستنيان الأول: في خطى محمد ، ص 42.
3.جون وليام دريبر: تاريخ التطور الفكري الأوروبي، المجلد الأول، ص 229، 230 . ( و جوستنيان الأول هو جوستنيان أويوستنيانوس(483 - 565م) ، الإمبراطور البيزنطي الشهير، الذي جمع الشرائع الرومانية ودونها )
4.إبراهيم خليل أحمد: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن ، ص 47.
5.هنري ماسيه: ولد عام 1886، عمل مديرًا للمعهد الفرنسي بالقاهرة، وعين أستاذًا في جامعة الجزائر (1916-1927) ، وعضوًا في مجمع الكتابات والآداب وفي المجمع العلمي العربي بدمشق، وانتدبته الحكومة لعديد من المهام الثقافية واختارته اليونسكو في لجنة المستشرقين.من آثاره: نشر كتابًا عن الشاعر (سعدي) (1919) ، وصنف كتابًا بعنوان: (الإسلام) (1957) ، كما ترجم وحقق العديد من النصوص العربية، ونشر العديد من الأبحاث في المجلات الاستشراقية الشهيرة.
6.هنري ماسيه: الإسلام ، ص 55.
7.انظر: صحيح البخاري، باب بدء الوحي، ج 1، ص 5 ، وصحيح مسلم، باب بدء الوحي إلى رسول الله ،ص 381.
8.توماس كارلايل ( 1795 - 1881 ) الكاتب الإنجليزي الشهير، من أعماله (الأبطال) (1940) ، وقد عقد فيه فصلًا رائعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، (الثورة الفرنسية) ..الخ.
9.توماس كارلايل: الأبطال ، ص50، 51.
10.انظر:الفرد فانز: علم النفس، نقلًا عن: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة،ص 17.
10-جورج سارتون: الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 29، 30 ،31.
11-انظر: محمد بن عبد الله السحيم: أعظم إنسان في الكتب السماوية.
12-إنجيل برنابا ، ( 82: 16 - 18) ..نقلًاعن: محمد في التوراة، ص 105.
13-إنجيل برنابا ، (80: 112 - 16 ) نقلًاعن: محمد في التوراة ، ص 141.
14-إميل درمنغم: حياة محمد ، ص 72.
15-مارسيل بوازار: إنسانية الإسلام ، ص 46.
16-إميل درمنغم:حياة محمد ، ص318.
17-لايتنر: باحث إنكليزي، حصل على أكثر من شهادة دكتوراه في الشريعة والفلسفة واللاهوت، وزار الأستانة عام 1854، كما طوف بعدد من البلاد الإسلامية والتقى برجالاتها وعلمائها.
18-لايتنر: دين الإسلام ، ص 4 ، 5 .
19-فاغليري: دفاع عن الإسلام ، ترجمة: منير بعلبكي، ص37، 38.
20-أرنولد توينبي: الإسلام والعرب والمستقبل، ترجمة: نبيل صبحي الطويل ص33، 34.
21-فيليب حتى:الإسلام منهج حياة ، ص56.
22-إميل درمنغم E.De صلى الله عليه وسلم menghem مستشرق فرنسي، عمل مديرا لمكتبة الجزائر، من آثاره:"حياة محمد"، و"باريس 1929"، وهو من أدق ما صنفه مستشرق عن النبي صلى الله عليه وسلم، و"محمد والسنة الإسلامية"،"باريس 1955"..
23-إميل درمنغم:حياة محمد، ترجمة: محمد عادلزُعَيْتِر.
المبحث الأول: نشر عقيدة التوحيد في ربوع العالم
يقول نظمي لوقا (1) :
"أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من"أبي القاسم" [ صلى الله عليه وسلم ] الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام" (2) .
فبعدما كانت عبادة الأصنام والأشخاص والنار والأبقار هي العبادة الأساسية المسيطرة على الشعوب، أصبحت عبادة الله ـ تبارك وتعالى ـ هي العبادة السائدة وأكثر انتشارًا، وبذلك يكون النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أعاد دين إبراهيم وموسى والمسيح عيسى ـ ابن مريم ـ عليهم السلام، إلى الحياة مرة أخرى، بعدما حُرف الدين الحق (دين الأنبياء) من قبل الأنظمة الغابرة المستبدة، التي استعبدت الشعوب ومحقت هوية الإنسان، ومسخت فطرته ..
إن عظمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم البارزة للعيان ، تكمن في أنه كان حامل رسالة سماوية توحيدية ، تهدف أساسًا إلى إصلاح حياة البشرية عامة، و نقلها من البربرية والوثنية إلى الحضارة التوحيدية اليقينية .. يقول مؤلف"قصة الحضارة"ـ الباحث الأمريكي وول ديوارنت ـ:
"كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيًا كبيرا، و توحيديًا كاملًا و لم يكن له نظير جاء لإصلاح البشر" (3) .
ولقد بذل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مجهودًا ضخمًا في سبيل نشر التوحيد ودحر الوثنية وعبادة البشر.. يبين ذلك واشنجتون إيرفنج بقوله:
"لقي الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من أجل نشر الإسلام كثيرًا من العناء، وبذل عدة تضحيات. فقد شك الكثير في صدق دعوته، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحًا كبيرًا، وتعرض خلال إبلاغ الوحي إلى الإهانات والاعتداءات والاضطهادات، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك وتخلى عن كل متع الحياة وعن السعي وراء الثراء من أجل نشر العقيدة" (4) .
ويؤكد ذلك هنري دي فاستري بقوله:".. ولقد نعلم أن محمدًا [ صلى الله عليه وسلم ] مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلامًا نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكي يهرب من عبادة الأوثان ومذهب تعدد الآلهة الذي ابتدعه المسيحيون وكان بغضهما متمكنًا من قلبه وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة في جسمه [ صلى الله عليه وسلم ] ولعمري فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك.. إلا أن يقول مرارًا ويعيد تكرارًا هذه الكلمات"الله أحد الله أحد". كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد.." (5) .
ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم في صراع مع أصحاب النزعات الرجعية كما يبين لورافيشيا فاغليري بقوله:"دعا الرسول العربي [ صلى الله عليه وسلم ] بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية. وارتضى أن يخوض صراعًا مكشوفًا مع بعض نزعات البشر الرجعية التي تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى.." (6) .
وإن المبهر في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه هدّم الأصنام بأيد من صنعوها وعبدوها .. وهذا لاشك من دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ـ في يوم فتحها ـ متجهًا إلى البيت، وحوله ثلاثمائة وستون صنمًا ، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده ، وهو يقول:
"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد" (7) .