"في شبه جزيرة العرب المجاورة لفلسطين ظهرت ديانة أساسها الاعتراف بوحدانية الله ، وهذه الديانة تعرف بالمحمدية أو كما يسميها أتباعها الإسلام، وقد انتشرت هذه الديانة انتشارًا سريعًا، و مؤسس هذه الديانة هو العربي محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ، وقد قضى على عادات قومه الوثنية، ووحد قبائل العرب، وأثار أفكارهم وأبصارهم بمعرفة الإله الواحد، وهذب أخلاقهم ولين طباعهم وقلوبهم وجعلها مستعدة، للرقي والتقدم، ومنعهم من سفك الدماء ووأد البنات، وهذه الأعمال العظيمة التي قام بها محمد [ صلى الله عليه وسلم ] تدل على أنه من المصلحين العظام، وعلى أن في نفسه قوة فوق قوة البشر، فكان ذا فكر نير ، وبصيرة وقيادة، واشتهر بدماثة الأخلاق، ولين العريكة، والتواضع وحسن المعاملة مع الناس، قضى محمد [ صلى الله عليه وسلم ] أربعين سنة مع الناس بسلام وطمأنينة، وكان جميع أقاربه يحبونه حبًا جمًا، وأهل مدينته يحترمونه احترامًا عظيمًا، لما عليه من المبادئ القويمة، والأخلاق الكريمة، وشرف النفس، والنزاهة" (7)
وهكذا فإن فضل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على العرب لا حد له، إذ أخرجهم من الجاهلية إلى نور الإسلام، يقول المستشرق الأيرلندي المستر هربرت وايل في كتابه:"المعلم الكبير":
"بعد ستمئة سنة من ظهور المسيح ظهر محمد [ صلى الله عليه وسلم ] فأزال كل الأوهام ، وحرم عبادة الأوهام ، وكان يلقبه الناس بالأمين ، لما كان عليه من الصدق والأمانة وهو الذي أرشد أهل الضلال إلى الصراط المستقيم" (8)
ويضيف هنري سيروي أن"محمدًا [ صلى الله عليه وسلم ] لم يغرس في نفوس الأعراب مبدأ التوحيد فقط، بل غرس فيها أيضًا المدنية والأدب" (9) .
ويتحدث الباحث الأمريكي جورج دي تولدز ( 1815-1897) ، عن فضل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على العرب حين نقلهم من الهمجية إلى المدنية، وعن دور الرسالة في تبديل أخلاق عرب الجاهلية ، حين عمر ضياء الحق والإيمان قلوبهم ، فيقول:
"إن من الظلم الفادح أن نغمط حق محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ، و العرب على ما علمناهم من التوحش قبل بعثته، ثم كيف تبدلت الحالة بعد إعلان نبوته ، وما أورته الديانة الإسلامية من النور في قلوب الملايين من الذين اعتنقوها بكل شوق وإعجاب من الفضائل ، لذا فإن الشك في بعثة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] إنما هو شك في القدرة الإلهية التي تشمل الكائنات جمعاء" (10) .
ويؤكد ذلك م. ج. دُرّاني (11) بقوله:
".. وأخيرًا أخذت أدرس حياة النبي محمد [ صلى الله عليه وسلم: ] فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة، التي لم تنجب رجلًا عظيمًا واحدًا يستحق الذكر منذ عدة قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفًا من النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد" (12) .
وتقول الشاعرة الإنكليزية اللايدي إيفلين كوبرلد في كتابها:"الأخلاق":
"لعمري لقد استطاع محمد [ صلى الله عليه وسلم ] القيام بالمعجزات والعجائب، لما تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام، وقبول الوحدانية الإلهية ، ولقد كان محمد [ صلى الله عليه وسلم ] شاكرًا حامدًا إذ وفق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ، ونقلهم من الظلمات إلى النور ، ومع ذلك كان محمد [ صلى الله عليه وسلم ] سيد جزيرة العرب، وزعيم قبائلهم ، فإنه لم يفكر في هذه ، ولا راح يعمل لاستثمارها ، بل ظل على حاله ، مكتفيًا بأنه رسول الله، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه، ويصلح حذاءه بيده، كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وكان يعمل في سبيل الله والإنسانية" (13) .
كان فضل النبي محمد صلى الله عليه وسلم على العرب من العمق وبُعد الأثر لا يحصره زمان أو يحده مكان ، عاشته أمة الإسلام وما زالت وسيظل باقيًا خالدًا. يقول الباحث قسطاكي حمصي (1858-1941) :
"إذا كان سيد قريش نبي المسلمين ومؤسس دينهم ، فهو أيضا نبي العرب ومؤسس جامعتهم القومية ، وكما أنه من الحمق والمكابرة أن ننكر أن ما لسيد قريش من بعيد الأثر في توحيد اللهجات العربية ، وقتل العصبيات الفرعية في نفوس القبائل ، بعد أن أنهكها القتال في قتال الصحراء ، و تناحر ملوكها في الشام والعراق تناحرًا أطال أمد الحماية الرومانية والفارسية في البلدين الشقيقين حتى الفتح الإسلامي . فمن الخطأ أن ننكر ما للرسول العربي الكريم وخلفائه من يد على أن الشرق ، في إثارة تلك الحماسة والبطولة النادرة المتدفقة في صدور أولئك الصحب الميامين، الذين كانوا قابعين في حزون الجزيرة وبطاحها، في سبيل الفتح، والمنافحة لتحرير الشرق من رق الرومان وأسر الفرس .إن سيد قريش هو المنقذ الأكبر للعرب من فوضى الجاهلية ، وواضع حجر الزاوية في صرح نهضتهم الجبارة المتأصلة في تربة الخلود" (14) .
ويبين آرنولد توينبي (15) أن النبي محمدًا قد كرّس حياته لتحقيق رسالته في كفالة مظهرين أساسيين في البيئة الاجتماعية العربية؛ هما الوحدانية في الفكرة الدينية، والقانون والنظام في الحكم."وتم ذلك فعلًا بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معًا.. فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة.. بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة، واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطالسي إلى شواطئ السهب الأوراسي" (16) .
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:"يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي".. كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ (17) .
كيف حول النبي محمد صلى الله عليه وسلم العرب من قبائل متناحرة إلى أمة محترمة؟
بهذا الإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي المتقن ، وبهذه التربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته ، بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة !
عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها ، ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة ، وأثار من دفائنها وأشعل مواهبها ، ثم وضع كل واحد في محله فكأنما خلق له ، وكأنما كان المكان شاغرًا لم يزل ينتظره ويتطلع إليه، وكأنما كان جمادًا فتحول جسمًا ناميًا وإنسانًا متصرفًا وكأنما كان ميتًا لا يتحرك فعاد حيًا يملي على العالم إرادته وكأنما كان أعمى لا يبصر الطريق فأصبح قائدًا بصيرًا يقود الأمم .
عمد إلى الأمة العربية الضائعة وإلى أناس من غيرها فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب الدهر وسوانح التاريخ ، فأصبح عمر الذي كان يرعى الإبل لأبيه الخطاب وينهره وكان من أوساط قريش جلادة وصرامة ، ولا يتبوأ منها المكانة العليا ، ولا يحسب له أقرانه حسابًا كبيرًا، إذا به يفجأ العالم بعبقريته وعصاميته، ويدحر كسرى وقيصر عن عروشهما ويؤسس دولة إسلامية تجمع بين ممتلكاتهما وتفوقهما في الإدارة وحسن النظام فضلًا عن الورع والتقوى والعدل الذي لا يزال فيه المثل السائر (18) .