تلك - باختصار شديد - قصة السيطرة اليهودية التي تهيمن الآن على الناس. وفي طياتها كثير من التفصيلات التي لا يتسع المقام هنا للحديث فيها، إنما نذكر منها مجرد ذكر: نشر الفساد الخلقي، والفوضى الجنسية، والإلحاد، والمخدرات، وألوان الجنون المختلفة: جنون الكرة، وجنون السرعة. وجنون الرقص. وجنون الأزياء (الموضة) ..
إلى جانب النزاعات الدولية المستمرة التي تؤدي إلى جنون التسلح..
والآن يأتي السؤال: ما دور الأمة الإسلامية في كل ذلك؟ أو بالأحرى ما مسئوليتها في كل ذلك؟
إن مسئوليتها أعظم بكثير، وأخطر بكثير مما يدور في خلدها في وضعها الراهن، وهي مقهورة مستذلة مستضعفة، تنهال عليها الضربات من كل جانب.
فلو أنها كانت قائمة برسالتها على الوجه الصحيح، عاملة بمقتضيات تلك الرسالة في عالم الواقع، فأين كان يتوقع أن تقوم الثورة الصناعية ابتداءً؟
كانت ستقوم بطبيعة الحال في أكثر البلاد تقدما من الناحية العلمية والعملية.. فأين كان ذلك في أيام قيام الأمة برسالتها؟
ألم تكن في بلاد المسلمين؟ في الأندلس. وصقلية الإسلامية، وفي بلاد المشرق المختلفة؟
ولو قامت الثورة الصناعية - المنبثقة من اختراع الآلة - في داخل العالم الإسلامي، فهل كانت ستقوم على الربا، المحرّم في شريعة الله؟
وحين ينسد هذا الباب - الذي نفذ منه اليهود بضراوة - فهل كان سيتاح لهم كل ما أتيح لهم من سيطرة عن طريق الربا وجمع الذهب وشراء ضمائر الساسة وإفساد الأخلاق؟!
الإجابة واضحة.. أو لعلها الآن قد وضحت..
إن علو اليهود وإفسادهم في الأرض قدر مقدور، مكتوب في كتاب الله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) (45) .
وسواء أكانت المرتان المذكورتان في كتاب الله تاريخًا مضى، أم كانت إحداهما قد مضت والثانية هي الواقعة اليوم كما يرى بعض الذين يتعرضون لتفسير الآية، ففي كتاب الله إشارة إلى مكان عودتهم إلى الفساد والإفساد في قوله تعالى بعد ذلك: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) (46) .
ولكن كتاب الله علمنا أن كون الشيء قدرا لا ينفي مسئولية البشر حين يتصرفون تصرفا خاطئا يتعلق به ذلك القدر. ففي وقعة أحد التي وقعت فيها مخالفة المسلمين لتعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم نزل قوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا...) (47) .
هو قدر، وله حكمته عند الله. ولكن مسئوليتكم فيه قائمة لمخالفتكم أمر قائدكم عليه الصلاة والسلام.
والسيطرة العالمية لليهود القائمة اليوم قدر، وله حكمته عند الله سبحانه وتعالى. ولكن لا ينفي ذلك مسئولية الأمة الإسلامية، التي أقامها الله لتكون شاهدة ورائدة لكل البشرية.
لقد قصرت الأمة تقصيرا واضحا في أداء رسالتها، سواء بالمنازعات التي قضت على دولة المسلمين في الأندلس (وكانت منارة العلم والحضارة والتقدم في أوربا) والتي استعان فيها الأمراء المسلمون بعضهم على بعض بالصليبيين (!) أو بالجمود الفكري والروحي والعلمي في المشرق، أو بالبدع والمعاصي والانحرافات العقدية، أو بالتقاعس عن إعداد العدة، أو بالانصراف عن عمارة الأرض، أو بالسكوت على الاستبداد السياسي، أو.. أو..
وكانت النتيجة حسب سنة الله هي انحسار الوجود الإسلامي في الساحة بسبب ما تغير من حقيقة الإسلام في النفوس: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (48) .
وترتب على انحسار الوجود الإسلامي بروز القوة الجاهلية التي تحكم الأرض اليوم، سواء عنينا بها الغرب في مجموعه، أو أمريكا بالذات، أو اليهود الذين يسيطرون هنا وهناك..
وتظل الأمة الإسلامية تحمل مسئوليتها في ذلك أمام الله.. وأمام التاريخ.
وهنا نأتي إلى نقطة هامة يجب الإشارة إليها في ختام هذه الحديث.
إن أكثر المتحدثين عن الأوضاع القائمة في الأرض اليوم يتأرجحون بين اتجاهين، أحدهما يلقى باللائمة - كاملة - على الأمة الإسلامية، والآخر يلقي باللائمة - كاملة - على الغرب ومؤامرته ضد الإسلام. وكل فريق يدافع - بحرارة - عن اتجاهه، ويصب اللوم - وأحيانا اللعنات - على الفريق الآخر.
والتفكير على هذا النحو يؤدي إلى نتائج خاطئة، سواء صدر عن العلمانيين، الذين يسخرون من فكرة المؤامرة ويهزأون بمعتنقيها، أو عن الإسلاميين الذين يفسرون الأمر كله بالمؤامرة القائمة ضد الإسلام.
إن الأمرين معا موجودان اليوم في الساحة! وإثبات وجود أحدهما ليس على الإطلاق نفيا لوجود الآخر! لأنهما ليسا متعارضين، بل هما متصاحبان متعانقان! فتقصير الأمة الإسلامية حقيقة واقعة، ومؤامرة الغرب على الإسلام حقيقة واقعة لا ينكرها إلا مغالط. وكلاهما يتفاعل مع الآخر. فلولا تقصير الأمة الإسلامية ما استطاع الغرب الصليبي أن ينفذ مؤامرته ضد الإسلام، ولولا المؤامرة ما أحبطت كل المحاولات التي تقوم بها الأمة لمعاودة النهوض من كبوتها.
والحديث النبوي الشريف الذي صدرنا به هذا البحث يشير إلى الأمرين معًا متصاحبين متعانقين: تكالب الأعداء على الأمة كتداعي الأكلة على قصعتها (وهذه هي المؤامرة) وكون الأمة في وضعها الحالي غثاء كغثاء السيل، لما أصابها من الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت.
وإن هذا الحديث الذي يصف أحوالنا اليوم بهذه الدقة لهو من الوحي.. وإنه لمن الإعجاز.
ماذا يملك المسلمون؟
يقلّب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أكفّهم في حيرة ويقولون: ماذا نفعل إزاء العولمة؟ هل نملك شيئا في الحاضر أو المستقبل؟
أما في الحاضر فقد تكون الإجابة صعبة بالفعل.. ولكن لا ؛ لأن العولمة هي ذلك الغول الذي لا يقهر، والذي لا يملك الناس إزاءه إلا الإذعان والتسليم.. فقد بدأت المجابهة بالفعل في المؤتمر الذي أقيم في مدينة"سياتل"ولكنها - مع الأسف - كانت من غير المسلمين!
إنما تأتي صعوبة الإجابة من سوء الحال التي وصلت إليها الأمة الإسلامية..
لم تصل الأمة في تاريخها كله إلى هذه الدرجة من الهوان على نفسها وعلى الناس، تطارَد وتشرّد ويذبّح أبناؤها بعشرات الألوف ومئات الألوف في أوربا وأفريقيا وآسيا ولا تتحرك، ولا يصدر عنها فعل يوقف هذه المذابح الوحشية أو يرد عليها. وتسلب منها فلسطين، وتسلب منها القدس وهي واقفة تتفرج كالمأخوذ..
ومن جهة أخرى لم يتجمع العالم كله على الأمة الإسلامية كما تجمّع اليوم، يأكل حقوقها علانية، ويسلب أقواتها، ويحارب دينها ومعتقداتها ومقومات وجودها الفكري والروحي والمادي، وهي عاجزة مسلوبة الإرادة.. وإن همت بحركة أو حتى حدثت نفسها، تمتد أصابع العصابة الدولية كلها صارخة: أصوليون! إرهابيون! اقتلوهم! أو ضعوهم في السجون!
وفي الوقت ذاته هناك نقص فادح في أدوات المواجهة..
فمن أدوات المواجهة الخبرة التكنولوجية والتصنيع، والأمة في كلا المجالين فقيرة إلى حد يقرب من الإفلاس، وفي الجانب الآخر وحوش ضارية تتجمع لتأكل الأخضر واليابس، ولتعطل كل حركة تهدف إلى اكتساب الخبرة أو تنمية الإنتاج.
نعم! ولكن..!