أية فتنة لمن طمست بصيرته عن إدراك سنن الله وحكمتها؟!
وليس بنا هنا أن نفند هذه الفتنة فقد فندناها في أماكن أخرى (38) .
ولكن يعنينا كثيرا أن نبين مسئولية الأمة الإسلامية في هذه الفتنة، وهي مسئولية ضخمة في الحقيقة.
فلو أن الأمة الإسلامية لم تقع في أمراضها التي سردنا جانبا منها فيما سبق، أو لو أن الأمة عالجت أمراضها أولًا بأول ولم تدعها تستفحل كما حدث بالفعل، فإن صورة أخرى غير الواقع الحالي كانت قمينة أن تقع في الأرض بتقدير الله.
كانت أوربا ستتقوى بما تعلمت من علوم المسلمين، وبالإضافات التي أضافتها إليها في انطلاقتها الفتية التي اكتسبتها من تحطيم القيود التي كانت الكنيسة تكبلها بها باسم الدين.. ولكنها أولا: لم تكن لتبلغ ما بلغته اليوم من القوة، فإنها لم تبلغ هذا المدى من القوة إلا بضعف المسلمين حين انطلقت أوربا الصليبية - مدفوعة بصليبيتها - تحتل بلاد العالم الإسلامي، وتسرق مواردها، وتضاعف ثروتها، وتستزيد كل يوم من وسائل القوة التي تمكنها من مزيد من السيطرة، ومزيد من سلب ثروات المسلمين.. ثم إنها ثانيا: لم تكن لتكون هي النموذج الوحيد أمام الناس للقوة والتمكين. إنما كان سيوجد نموذجان للتمكين والقوة، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فيسهل على الناس أن يميزوا بين كلا النوعين ليختاروا أحسنهما. فأحدهما قوي ممكّن في الأرض، متقدم متحضر متعلم مثقف نشيط متحرك، تحفّه البركة والطمأنينة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (39) . (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (40) .
والآخر قوي ممكّن في الأرض، متقدم في الجوانب المادية والعلمية، ولكنه محروم من البركة والطمأنينة، يعج بالقلق والانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية والمخدرات والجريمة.. كما أن أحدهما - مع قوته وتمكنه - لا يسعى إلى ظلم الآخرين وسلب أقواتهم والتحكم المذل فيهم، بينما الآخر قوة غاشمة لا تكف عن العدوان وإذلال الآخرين لا لشيء إلا لإرواء شهوة السلطان!
عندئذ لم تكن لتوجد الفتنة.. أو في القليل لم تكن الفتنة لتجتاح كل الأرض!
لقد كان غياب الأمة الإسلامية عن الساحة هو الكارثة الحقيقية التي أصابت البشرية، لأنه أخلى الساحة من النموذج الصحيح للحضارة الإنسانية، وأتاح للنموذج المنحرف أن ينفرد بالساحة، وأن يفتن الناس عن ربهم وآخرتهم ودينهم وأخلاقهم.. وإنسانيتهم!
ولقد كانت حكمة الله من إخراج هذه الأمة أن ترشد الناس.. كل الناس.. إلى النموذج الصحيح: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (41) . (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (42) .
وحين قامت برسالتها على الوجه الصحيح أخرجت كثيرا من الناس من الظلمات إلى النور، سواء من آمن بالإسلام والتزم به، أو اقتبس من نوره دون أن يؤمن بخ كما فعلت أوربا في مَخْرَجها من قرونها الوسطى المظلمة..
ولكنها حين تقاعست عن أداء رسالتها، بسبب ما أصابها من أمراض في مسيرتها، فقد أتاحت الفرصة للطاغوت أن يبسط نفوذه على البشر، ويخرجهم من النور إلى الظلمات.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ...) (43) .
على أن الكارثة الكبرى التي أصابت البشرية نتيجة غياب الأمة الإسلامية عن الساحة لم تكن هذه، إنما كانت بروز اليهود، وسيطرتهم الحالية على مقدرات البشرية.
وقد يفاجأ القارئ بهذه المقولة، وقد يستغربها.. ولكن ها هي ذي - ببساطة - وقائع التاريخ.
فمتى بدأت السيطرة الحالية لليهود، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم؟
بدأت مع الثورة الصناعية..
فقد كانت الثورة الصناعية في حاجة إلى عنصرين أساسيين: المال الوفير الذي يمكن أن ينشئ المصانع، والعمال المحشودين في المدن التي تقوم فيها المصانع.
فأما العمال فقد كانوا محتجزين في الأرض الزراعية التي يملكها أمراء الإقطاع، وكانوا عبيدا في تلك الأرض لا يملكون الانتقال منها إلى المدينة، بل لا يملكون الانتقال من إقطاعية إلى أخرى إلا بإذن أمير الإقطاعية، وإلا اعتبروا عبيدا آبقين، وأعيدوا إلى أرضهم موسومين على جباههم بالنار..
وكان لا بد من تحطيم الإقطاع من أجل تغذية الثورة الصناعية بالعمال..
وقامت الثورة الفرنسية بذلك.. وحررت"عبيد الأرض"ومنحتهم حرية الانتقال.
ومعلوم لكل الناس دور اليهود في إشعال الثورة الفرنسية عن طريق الجمعيات الماسونية المنتشرة يومئذ في فرنسا، وإن كان قول اليهود إنهم هم الذين صنعوا الثورة الفرنسية تبجح يتجاوز الواقع، فلولا الغضب المكبوت المتراكم خلال القرون من مظالم الإقطاع وفظائعه ما استطاع اليهود أن يفجروا الثورة على النحو الذي فعلوه..
وأما المال اللازم لإدارة الثورة الصناعية فلم يكن متوافرا إلا عند فئتين اثنتين في أوربا في ذلك الحين، هما أمراء الإقطاع والمرابون اليهود.
أما أمراء الإقطاع فقد امتنعوا تماما عن تمويل الثورة الصناعية! فهم بادئ ذي بدء فلاحون (وإن كانوا أمراء بالاسم!) والفلاح لا يغامر بتشغيل ماله في غير الدورة الزراعية التي يحفظها عن ظهر قلب، ويحفظ تقلباتها واحتمالاتها. فهو يلقي البذرة في الأرض، ويتعهدها حتى تخرج محاصيلها، فيستهلك منها ما يستهلك لنفسه، ويحتجز ما تحتاج إليه الأرض من"التقاوى"للزرعة القادمة، ويبيع الفائض في السوق..
ثم إن الثورة الصناعية في أول عهدها لم تكن رابحة في كثير من الحالات! فلم تكن هناك كثافة سكانية كبيرة في المدن، ولم تكن هناك طرق معبدة لتصريف الإنتاج على نطاق واسع، ولم تكن هناك وسائل إعلان.. وكلها من الضرورات التي لا تستغني عنها الصناعة الرابحة.
وفضلا عن ذلك فقد كانت هناك معوّقات نفسية تقف في وجه الثورة الصناعية، فقد كان الناس - في سذاجتهم - لا يرحبون بالإنتاج الآلي، لأن به - كما يعتقدون - مس شيطان وأنه سيمحو البركة من حياتهم، وكانوا لذلك يفضلون عليه الإنتاج اليدوي (44) !
وأما المرابون اليهود فقد أقبلوا على تمويل الثورة الصناعية بشغف شديد، ولعاب سائل! ذلك أنهم لا يشغّلون أموالهم مباشرة، ولا يتعرضون للربح والخسارة، وإنما يقرضونها بالربا، والمقترض يكسب أو يخسر حسب ظروفه وظروف السوق، أما هم فقد ضمنوا أموالهم - قبل إقراضها - وضمنوا إلى جانبها مكسبهم الربوي عن طريق الشروط التي يضعونها للإقراض!
وبذلك وقعت الثورة الصناعية في قبضتهم منذ اللحظة الأولى، وصاروا هم مديريها ودهاقنتها. وعن طريق الأرباح الربوية الضخمة اشتروا الذهب، وتحكموا به في عملات الأرض، ثم اشتروا وسائل الإعلام، ثم اشتروا الساسة وضمائرهم.. وسيطروا على كل الأرض! وحين سيطروا أثاروا الحروب بين الدول لترويج صناعة السلاح - وهم روادها وتجارها من قديم - فزادت صناعة السلاح من ثرواتهم، ومن قدرتهم على التحكم في مقدرات البشرية!