فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 2255

وكذلك كان التواكل وإهمال الأخذ بالأسباب بحجة التوكل على الله غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، الذي أمر بالتوكل ولكنه أمر معه باتخاذ الأسباب: (فَإِذَا عَزَمْتَ(26) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (27) . (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (28) . (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (29) .

كذلك كان انفراج الطريق بين العمل للدنيا والعمل للآخرة غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، والله يقول: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..) (30) .

ولكن هذه الأمراض كلها وجدت في الأمة - تدريجيا - ثم تزايد حجمها وأثرها كلما مر عليها الزمن دون علاج.

ولا نقول مع ذلك إن العلاج لم يوجد أبدا، فذلك ظلم للتاريخ، ولم يمر على المسلمين عصر خلا تماما من المصلحين. ولكن نقول إن حركات الإصلاح كانت أقل من المطلوب، في حين كانت الأمراض تتزايد على الدوام.

حين انحسر الإسلام في قلوب الناس - إلا من رحم ربك - انحسر إشعاعه في عالم الواقع.. فالإشعاع المنعكس على عالم الواقع إنما مصدره ذلك النور المنبعث من القلوب، وعلى قدر قوة ذلك النور أو ضعفه تكون الإضاءة أو يكون الظلام، حسب سنة الله التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تجامل أحدا من الناس لدعوى يدعيها بلسانه ولا يعمل بها في عالم الواقع: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (31) . (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) (32) .

ومن ثَمَّ أخذت الأمة رويدا رويدا تدخل في الظلام: ظلام الجهل.. ظلام الضعف.. ظلام التخلف.. ظلام الفقر.. ظلام الجمود.. ظلام الانحسار.

ولم يكن ذلك بسبب"الدين"كما يزعم المطموسو البصيرة الذين أضاع الغزو الفكري ألبابهم، إنما كان - كما هو واضح - بسبب البعد التدريجي عن حقيقة الدين.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الأمة الإسلامية تضعف وتنكمش وتنحسر، كانت أوربا قد بدأت تبرز وتتقدم وتتوسع، في جميع المجالات التي انحسر فيها الوجود الإسلامي!

وكان في هذا الوضع جملة من المفارقات، تبدو غريبة لأول وهلة، ولكنها منطقية ومفهومة إذا عرضناها على السنن الربانية، وعلى وعد الله ووعيده.

كانت نهضة أوربا - كلها تقريبا - مستمدة من أصول إسلامية، ومع ذلك كان موقف أوربا من الإسلام هو موقف الجاحد الحاقد المتربص المتنمر المتأهب للانقضاض!

كانت أوربا قد خرجت من قرونها الوسطى المظلمة على هدى ما اقتبسته من علوم المسلمين وفنونهم وحضارتهم، ولكنها كانت في الوقت ذاته معادية للإسلام والمسلمين.

ولم يكن هذا رد الفعل التلقائي، أو الطبيعي في مثل هذا الموقف.

لقد ظلت أوربا في قرونها الوسطى المظلمة ما يقرب من عشرة قرون، لا تحس أنها في ظلام! ولم تشعر بالظلام وترغب في الخروج منه إلا حين رأت النور! نور الإسلام!

وقد كان احتكاكها بالإسلام - الذي أخرجها من الظلمات إلى النور - عن طرق ثلاث. أحدها الحروب الصليبية التي أطلعت الأوربيين على بلاد تعيش حياة مختلفة تماما عن حياتهم في كل اتجاه، ثم العلاقات التجارية التي أقامتها جنوة والبندقية وغيرهما بالعالم الإسلامي، ثم البعوث التعليمية التي أرسلتها أوربا إلى المدارس الإسلامية في الأندلس وصقلية الإسلامية وغيرهما من بلاد المسلمين، والتي عاد منها أولئك المبعوثون في شغف هائل بالحضارة الإسلامية والعلوم الإسلامية والفكر الإسلامي..

وكانت أوربا - بهذه التأثيرات - على وشك أن تدخل في الإسلام كما يقول المؤرخ البريطاني ويلز في كتاب"معالم تاريخ الإنسانية" (33) وكما يشير غيره من المؤرخين والكتاب الغربيين (34) .

وهنا جن جنون الكنيسة الأوربية، وقامت تحارب النفوذ الإسلامي بضراوة ووحشية، عن طريق محاكم التفتيش من ناحية، كما كلفت كتابها وشعراءها من ناحية أخرى أن يشوهوا صورة الإسلام في نفوس الأوربيين، ويرموه بكل نقيصة، لينفروا منه الراغبين فيه، أو المتأثرين بحضارته وعلومه وفكره.

ويجب أن نعرف - نحن المسلمين بصفة خاصة - أن جوردانو برونو أحرق حيا، وهدد كوبرنيكوس وجاليليو بالحرق أحياء لأنهم تبنوا أفكارا علمية مستمدة من العلماء المسلمين. فكان حرق من أحرق والتهديد بحرق الآخرين موقفا صليبيا في مبعثه، وفظا متوحشا كطابع الحروب الصليبية كلها من أول التاريخ إلى اللحظة الراهنة، التي رأينا نماذج منها في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان (في عصر الديمقراطية والحرية واحترام"الآخر"!!) وإن كانت المراجع الأوربية لا تشير بطبيعة الحال إلى هذه الحقيقة..

إنما الذي يهمنا هنا أن نبين أنه نتيجة لأفاعيل الكنيسة وقعت أوربا في مأزق ضخم كانت آثاره وبالًا على البشرية. فطغيان الكنيسة في القرون الوسطى (الذي لم تشعر أوربا أنه طغيان إلا بعد احتكاكها بالإسلام والمسلمين) كانت نتيجته أن أوربا نفرت من دين الكنيسة وتمردت عليه. وفظاظتها في حرب النفوذ الإسلامي بالتعذيب والتشويه كانت نتيجته أن أوربا نفرت من الإسلام ولم تدخل فيه، فرجعت أوربا إلى ميراثها الإغريقي الروماني الوثني تستمد منه أفكارها وقيمها ومبادئها في عداء واضح مع الدين.

وهنا ولدت الكارثة التي تعاني منها البشرية إلى هذه اللحظة، وهي وجود قوة مادية وعلمية واقتصادية وتقنية هائلة، مع انحطاط روحي وأخلاقي بالغ المدى، لم تهبط البشرية إلى مثله في تاريخها كله..

هذا الوضع - على غرابته - لا يشكل مشكلة بالنسبة للمسلم الواعي الذي يدرك السنن الربانية، ويعلم من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم كيف تجري الأمور في واقع البشر محكومة بهذه السنن التي لا تتبدل ولا تتحول. ولا يشكل هذا الوضع له فتنة تفتنه عن دينه، لأنه يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ..) (35) فيعلم أنه لا تناقض ولا غرابة في أن يكون القوم كفارا وملاحدة، وأن تكون أبواب كل شيء من القوة المادية والعلمية والاقتصادية والحربية والسياسية مفتوحة لهم إلى حين يقدره الله سبحانه وتعالى بحكمته: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا(36) أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (37) .

نعم! لا غرابة في هذا الوضع بالنسبة للمسلم الواعي الذي يدرك سنن الله. ولكنه فتنة ضخمة لمن لا يدرك هذه السنن وحكمتها، لأن الحسبة ستكون في رأسه على هذا النحو: لقد كانت أوربا في يوم من الأيام متدينة، فكانت تعيش في ظلام مطبق، وكان يحيط بها الجهل والجمود من كل جانب، فلما نبذت الدين تقدمت وتحضرت وقفزت قفزات هائلة في كل اتجاه! إذن.. فالدين صنو للظلام والتأخر ؛ والكفر والإلحاد والتمرد على الدين صنو للتقدم والتحضر و الرقي!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت