وكانت أول أمة عرفت إنشاء بيوت لرعاية العجزة، ودور لإيواء الحيوانات الضالة لرعايتها وإطعامها!
وكانت أول أمة - أو الأمة الوحيدة - التي تفي بعهودها مع الآخرين، وتلتزم بالمواثيق، ولا تبرمها في وقت الحاجة لتمزقها في أول فرصة مواتية!
وكانت أول أمة - أو الأمة الوحيدة - التي لا تضطهد المخالفين لها في العقيدة، بل ترعاهم، وتؤمّنهم على عقائدهم وعباداتهم وكل نشاطاتهم الاقتصادية والحياتية ما داموا غير محاربين ولا مجاهرين بالعداء!
باختصار.. كانت هي الأمة المتحضرة في الأرض..
ولكن انقلابا هائلا حدث في التاريخ!
لم يحدث بطبيعة الحال بين يوم وليلة.. فلا شيء يحدث بين يوم وليلة إلا أقدار الله الخارقة! وحتى"الانقلابات العسكرية"التي سرت في عصر"التنوير!!"الذي نعيشه اليوم، لا تتم بين يوم وليلة، إنما تستغرق وقتا في التفكير، وفي التحضير، قبل أن يفاجأ بها الناس على ساحة الواقع..
إنما حدث الانقلاب خلال عدة قرون..
تدريجيا.. انحسرت مساحة"الدين"في النفوس.
لقد نزل هذا الدين ليشمل الحياة كلها من كل جوانبها، لا ليحتل جانبا واحدا من جوانب الحياة، أيًّا كان حجمه وأهميته الذاتية: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ...) (14) .
فالإيمان بالله الواحد هو أهم ما في حياة الإنسان وأثمن ما في هذه الحياة. ولكنه إن استثمر في داخل الوجدان، ولم يبسط إشعاعه على مساحات الحياة المختلفة، فلن يكون هو"الدين"الذي أنزله الله، وأمر باتباعه، وعاقب على تركه، وأثاب على الإتيان به!
إنما دين الله هو"ما وقر في القلب وصدّقه العمل".
إن الله لم يطلب من الناس فقط أن يؤمنوا في أعماق وجدانهم بأنه سبحانه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.. وإن كان هذا هو الأساس الذي ينبني عليه كل شيء.. إنما طلب سبحانه من الناس أن يسري التوحيد في كل جنبات حياتهم باتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه والالتزام بما أنزل من تشريع وتوجيه.. وكل حيد عن هذا السبيل أو مخالفة له هي نقص في الإيمان يؤثر في"الميزان"كما يؤثر في النتائج! والإيمان - كما يقول علماؤنا - يزيد وينقص. يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
وتختلف درجات النقص باختلاف نوع الحيد ومقدار المخالفة، وإن كانت لا تنقض أصل الإيمان إلا إذا وقع من الإنسان عمل من الأعمال الناقضة المنصوص عليها في كتاب الله وسنة رسوله وأجمع عليها العلماء، كمن سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو سجد إلى صنم، أو أهان المصحف، أو شرّع بغير ما أنزل الله..
ويعمل هذا الدين في واقع الأرض ويؤتي ثماره الجنية بمقدار ما يلتزم به أهله ويتبعون ما جاء فيه. فإن لم يلتزموا، ولم يتبعوا، ينحسر"الدين"في نفوس الناس، وتنحسر ثماره في الأرض بمقدار ما حدث من الحيد، ومقدار ما وقع من الانحراف.
والآيات في كتاب الله واضحة تمام الوضوح في هذا الأمر، كما هي في كل أمر: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (15) .
وكل هؤلاء مؤمنون - على درجات من الإيمان، ودرجات من فضل الله ورحمته ورضوانه - ما لم ينقضوا أصل الإيمان.. أما هؤلاء: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (16) . (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما ً) (17) .
تلك حقيقة الدين كما أنزلها الله، وكما علمها رسوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وكما فهمتها الأجيال الأولى من المسلمين.
لذلك كان الفكر الإرجائي الذي دخل في حياة المسلمين غريبا كل الغربة عن الإسلام الذي أنزله الله، ذلك الفكر الذي يخرج العمل من مسمى الإيمان، بل من مقتضاه، والذي يقول:"من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام"، والذي يقول:"الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا في مسمى الإيمان"، (والمسمى ليس هو الاسم كما يخيل لبعض الناس، إنما هو حقيقة الشيء الذي يطلق عليه الاسم، ومنه قولهم: اسم على مسمى. أي اسم صادق الوصف للموصوف به) .
نعم! كان هذا الفكر غريبا كل الغربة عن الإسلام، وكتاب الله المنزل يتكرر فيه مئات المرات قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ويرد فيه مثل هذه الآيات: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) (18) . (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (19) . (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (20) . (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) (21) .
وكذلك كان الفكر الصوفي غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، ذلك الفكر الذي يحصر العبادة في الوجد الروحي والذكر، ويضخم الشيخ في حس المريد حتى يصبح واسطة بينه وبين الله، بينما الإسلام ينفي كل وساطة بين العبد والرب، ويجعل العبادة شاملة لكل حياة الإنسان، ويجعل الجهاد ذروة سنام الأمر:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (22) . (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (23) . (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ..) (24) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (25) .
"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" (أخرجه الترمذي) .
كذلك كان حصر الإسلام في النطاق الفردي وإسقاط التكاليف الجماعية والاجتماعية والسياسية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، وقد فرض الله هذه التكاليف كلها كما فرض التكاليف الفردية وإن كان قد جعل بعضها فرض كفاية لا فرض عين، ولكن الأمة تأثم بمجموعها إن لم يقم فيها أحد بهذه التكاليف.