فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 2255

إن هذه المؤتمرات لا تقام عبثا! إنها - بكل بشاعتها المقززة - جزء مدروس بعناية من المخطط الكبير الشرير الذي يقوم به المفسدون في الأرض: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (5) .

وهي ليست شيئا قائما بذاته، وإن وضعت لها عناوين متخصصة، كمؤتمر"الإسكان"أو مؤتمر"المرأة عام 2000"أو غيرها، إنما هي أجزاء مترابطة متماسكة - وإن اختلفت اتجاهاتها - تتحرك بإرادة موحدة، كما تتحرك أذرع الأخطبوط في اتجاهات مختلفة، فتنهش من هنا وتنهش من هناك، ولكن بإرادة مركزية واحدة، مركزة في رأس الأخطبوط!

واتخاذها شكل"مؤتمرات دولية"ومحاولة فرضها على الناس فرضا عن طريق هيئة الأمم، وتهديد المخالفين - وخاصة المسلمين - بتوقيع العقوبات عليهم إن لم ينفذوا قراراتها، كل ذلك له دلالات..

الدلالة الأولى أنه قد أمكن بالفعل استحمار عدد من البشر، ينطقون بما يريد الشيطان منهم أن ينطقوا به، في جرأة ووقاحة، فيطالبون علانية بعصيان الله والتمرد على أوامره، وتحليل ما حرّم، وتحريم ما أحلّ، والتشريع بغير ما أنزل، ويقيمون من أجل ذلك"المؤتمرات"يتعالنون فيها بكل قبيح، ولا يتحرجون من ذلك ولا يتأثمون. وهو درك من الهبوط لم تهبط إليه البشرية قط في تاريخها كله. فكل ما ينادون به من القبائح قد حدث من قبل في تاريخ الأمم، ولكن لم تكن له شرعية، إنما كان يرتكب خفية أو شبه خفية، ثم إنه لم يكن واسع الانتشار، لأن النفس البشرية - التي كرمها الله - كانت تستبشع - حتى في انحرافاتها - أن تمارس الانحطاط الحيواني باسمه الصريح! والحالات الشاذة كحالة قوم لوط تعتبر - بالنسبة لمجموع البشرية - حالة فردية شاذة، ملعونة في الأرض والسماء.. أما اليوم فيراد إعطاء هذا الهبوط شرعية يتعالن بها، وتصبح هي الأصل الشائع بين الناس!

والدلالة الثانية أن المفسدين لا يكتفون بما أفسدوا بالفعل، ولا يقنعون بما بين أيديهم من الحمر المستنفرة، إنما يريدون المزيد! يريدون أن يستحمروا البشرية جمعاء، ويستخدمون ما بين أيديهم من الأدوات"الدولية!"لنشر الاستحمار في البشرية!

والدلالة الخاصة، التي لا ينبغي أن تفوتنا نحن المسلمين، أن الإسلام بالذات هو المستهدف الأول، وأن"أصحاب الشأن"لن يستريحوا حتى يردوا المسلمين عن دينهم.. إن استطاعوا: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (6) .

العولمة إذن ليست وجها واحدا كما قد تبدو لأول وهلة.. إنما هي - كما رأينا - أخطبوطية تشمل الاقتصاد، والسياسة، والفكر، والدين، والأخلاق، والثقافة، والتقاليد، والعادات.

وحتى لو فرضنا جدلا - وهو غير صحيح - أن الهدف الأساسي هو السيطرة الاقتصادية، فإن هذه لا تتم بغير معاوناتها الأخرى! فالقوم الذين لهم دين يعتزون به، وأخلاق يعتزون بها، وثقافة متميزة، ومقومات ذاتية يحرصون عليها، لا ينصاعون بسهولة للسيطرة الاقتصادية ولو حاصرتهم من كل جانب، إنما اعتزازهم بقيمهم الخاصة سيجعلهم يقاومون، وسيجعلهم - ولو على المدى البعيد - يسعون إلى التحرر من العبودية المراد فرضها عليهم، وعندئذ يفشل التخطيط، ويفشل الأخطبوط! فلا بد إذن من أجل السيطرة الاقتصادية ذاتها من محو شخصية الأمم، وتذويب مقوماتها النفسية والفكرية والعقدية، ليسلس قيادها للمسيطر الشيطان!

مسئولية الأمة الإسلامية

أخرج الله هذه الأمة - أمة التوحيد - لتحقق أهدافا معينة:

لتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (7) .

ولتكون رائدة ومرشدة وشاهدة على كل البشرية: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (8) .

ولتحمل رسالة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام إلى البشرية كافة، على مدى الزمن كله من بعثته عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على هدى الكتاب المنزل من عند الله: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (9) .

وكفل الله لهذه الأمة - حين تقوم برسالتها: الاستخلاف والتمكين والتأمين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (10) .

وتحقق ذلك كله في واقع الأرض عدة قرون، كانت فيها الأمة الإسلامية خير أمة على وجه الأرض في كل اتجاه: عقديا، وأخلاقيا، وفكريا، وعلميا، وسياسيا، وحربيا، واقتصاديا، وحضاريا.. وفي كل مجال من مجالات الحياة، في الوقت الذي كانت فيه أوربا غارقة في ظلمات ما يطلقون عليه هم: قرونهم الوسطى المظلمة..

تحقق للأمة السيادة والمنعة والقوة. وتحقق لها لأول مرة في التاريخ معنى"الأمة"، التي تجمع شعوبا مختلفة، وأجناسا مختلفة، ولغات مختلفة، يرتبطون كلهم برباط واحد هو"الإسلام"، وإن تباعدت المسافات بينهم، وإن اختلفت علاقات الحكام بعضهم ببعض، فرباط"الإسلام"الذي يوحد قلوبهم ومشاعرهم أقوى في نفوسهم من كل ما يسبب الفرقة أو الخلاف. منه يتخذون عقيدتهم، ومنه يستمدون أنماط حياتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم وتوجهاتهم العامة، وإن كان لكل شعب خصوصياته، ولكل فرد خصوصياته.

وتحقق لها الرخاء الاقتصادي الناشئ من سعي المسلمين في فجاج الأرض، ينشرون فيها النور، ويكشفون مجاهيلها، ويعمرونها، تحقيقا للتوجيه الرباني: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (11) . (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (12) .

وتحقق لها نشاط فكري وعقلي وعلمي غير مسبوق، يزخر به إنتاج تلك القرون - قرون التمكين - في اتجاهات متباينة: في الفقه والأصول، في التاريخ، في الطب والفلك والرياضيات، في الرحلات والكشوف الجغرافية، وفي كل منحى من مناحي الحياة الموّارة الدفاقة، التواقة إلى المعرفة، التواقة إلى تحقيق الخلافة الراشدة في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (13) .

وتحقق لها وجود حضاري واسع، لا ينحصر في الإنتاج المادي والحضارة المادية، من إنشاء مدن وعمارة مبان وتوفير طرق، وفنون إدارة، إنما يحقق المعنى الجوهري للحضارة أي الارتقاء"بالإنسان"ليكون جديرا بالتكريم الرباني: الارتقاء به عقيدة، وأخلاقا، وسلوكا، وفكرا، ومعرفة، ينبع منها النشاط المادي، ولا تنحصر فيه.

كانت هذه الأمة أول أمة عرفت مجانية التعليم، ومجانية العلاج، وأوقفت على هذين الأمرين أوقافا طائلة لا تعتمد على سخاء الدولة أو تقتيرها، أو عنايتها أو إهمالها، بقدر ما تعتمد على دوافع الخير في النفوس، ودوافع البذل والعطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت