بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
يشكو المسلمون اليوم من العولمة ونذرها الخطيرة التي تتهددهم، وحق لهم أن يشكوا، فهم في مقدمة المقصودين بها، سواء كان عنوانهم"العالم الإسلامي"أو"العالم الثالث"أو"الدول النامية"أو"الدول المتخلفة"أو"الدول الفقيرة"!
ولكنهم - في شكواهم وتخوفهم - قلما يتبادر إلى أذهانهم أنهم - بسبب تقاعسهم، وتفلتهم من تكاليف دينهم، وانحرافهم عنه خلال القرون الأخيرة - هم السبب الأول فيما يلقون اليوم من هوان وعسف، وأنهم هم - بسبب تفلتهم هذا - هم الذين أتاحوا لقوة جاهلية بربرية أن تفرض نفوذها على العالم، وتكتسحهم هم من الطريق!
وفي هذه الصفحات القليلة أحاول أن ألقي الضوء سريعا على بعض النقاط حول العولمة وموقف المسلمين منها، مبتدئا بالحديث عن أبعاد العولمة ثم عن مسئولية الأمة المسلمة عن بروزها وتمكنها ثم عن موقف المسلمين منها في الحاضر والمستقبل.
ولا يفوتني كذلك أن أشير إلى موقف"العلمانيين"من العولمة، وترحيبهم بها واستبشارهم بها على أنها الأداة الكاسحة (البلدوزر) التي ستقتلع لهم الإسلام من جذوره، بعد أن تعبوا هم - بفؤوسهم ومعاولهم - في محاولة هدمه واقتلاع جذوره، وباءوا من محاولتهم بالفشل والخذلان.
وفي الأخير نلقي نظرة سريعة على المستقبل المنظور: مستقبل العولمة، ومستقبل الإسلام.
وإن تكن هذه الصفحات القليلة لا تفي بحق موضوع ضخم كهذا، فإنما هي مجرد تذكرة، عملا بقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (1) وعلى الله قصد السبيل ومنه العون، وعليه التوكل، ومنه التوفيق..
محمد قطب
أبعاد العولمة
يتساءل كثير من الناس: ما المقصود بالعولمة على وجه التحديد؟
وبعيدا عن التعريفات النظرية نضرب مثلا من الواقع يبين الأبعاد الواقعية للعولمة.
منذ فترة ليست بعيدة عمدت الدول المنتجة للبترول إلى خفض الإنتاج بغية رفع أسعاره في السوق، بعد أن كانت قد انخفضت إلى الحضيض نتيجة الزيادة في الإنتاج. وبالفعل ارتفعت الأسعار، وقاربت القمة التي كانت قد وصلت إليها في سنوات"الطفرة".
وهنا تدخلت القوى"العظمى".. أو بالأحرى"القوة العظمى"لتفرض على الدول المنتجة أن تضخ في السوق كميات أكبر، لينخفض السعر إلى المستوى الذي يناسب مصالح القوى العظمى، أو بالأحرى يناسب جشعهم ومطامعهم.
وفي النهاية لم تجد الدول المنتجة بدا من الخضوع للضغط الواقع عليها، وتحت طائلة التهديد بالعقوبات اضطرت إلى رفع إنتاجها بالقدر الذي طلب منها أو قريبا منه!
ذلك مثال واقعي للوجه الاقتصادي للعولمة، لا يحتاج إلى جهد في استخلاص أبعاده ووسائله. فالعالم الثالث - الذي ينتج معظم البترول المستخدم الآن في الصناعة العالمية، والذي يمثل المسلمون الجانب الأكبر منه - يملك"خامات"كثيرة، تحتاج إليها الدول الصناعية، ولكنه لا يملك المصانع، ولا يملك الخبرة والتقنية التي يدير بها تلك المصانع إن وجدت. والذي يملك الخبرة والتقنية هو الغرب - وعلى رأسه أمريكا - ومن ثم فإن هذا الغرب يفرض على العالم الثالث - الفقير الجاهل المستضعف - أن يبيع له ما يملك من الخامات بأبخس الأثمان، ثم يصنّعها عنده، ثم يعيدها مصنعة فيبيعها للعالم الثالث بأغلى الأثمان، فيربح أرباحا كثيرة في وقت واحد: مادية ومعنوية. المادية ببخس سعر الشراء ورفع سعر البيع، والمعنوية بإذلال العالم الثالث وإشعاره دائما بالتبعية والضآلة والعجز.
هذا الوجه من وجوه العولمة أوضح من أن يحتاج إلى بيان!
ولكن له وسائل قد تحتاج إلى شيء من البيان.
فالخصخصة التي فرضت على دول العالم الثالث ذات أبعاد.
فمن أبعادها رفع سلطة الدولة عن ممتلكاتها"القومية"، فلا تعود تملك لها منعًا ولا منحًا ولا حماية ولا استغلالًا يعود عليها وعلى شعوبها بالخير، وإنما تملّك في الخطوة الأولى للقطاع الخاص، بحجة أنه هو الأقدر على إدارتها واستغلالها، أو بأية حجة من الحجج التي قد تكون صحيحة في ذاتها، ولكنها لا تخفي السبب الحقيقي!
وفي الخطوة التالية تعرض المجالات المخصخصة للاستثمار العالمي، فتأتي رؤوس الأموال العالمية"فتشارك!"في عمليات الاستثمار، مشترطة شروطا معينة في صالحها، منها تخفيض الضرائب عليها، والسماح لها بنقل أرباحها إلى الخارج، وعدم وضع العراقيل أمامها بعمل حماية جمركية أو حماية من أي نوع للصناعات المحلية الصغيرة التي يديرها رأس المال المحلي بجهده الخاص، فتعجز هذه - بدون حماية - عن المنافسة في الأسواق العالمية، بل في الأسواق المحلية ذاتها، فينتهي بها الأمر إلى"المشاركة!"مع رأس المال الأجنبي.. أو إلى الفناء!
العولمة إذن في وجهها الاقتصادي - بالنسبة للعالم الثالث على الأقل - هي السيطرة الكاسحة لرأس المال الغربي على اقتصاديات العالم الثالث، ووضعه بين فكّي الكماشة، سواء بخفض أسعار الخامات، أو رفع أسعار الإنتاج، مع تخدير الدول وشعوبها بتمنيتهم بالرواج الاقتصادي الذي سيحدث في العالم الثالث نتيجة العولمة، والذي سيعين الدول على تسديد ديونها، ويوجد فرص عمل جديدة أمام المتعطلين من أبنائها الذين لا يجدون فرصا للعمل في الأزمة الراهنة. وهو حق على المدى القريب، ولكنه ينتهي بتنحية هذه الشعوب عن مقومات وجودها، وسيطرة الغرب عليها، والتحكم الكامل في مصائرها.
والآن يبرز سؤال له أهمية بالغة..
من المالك الأكبر لرأس المال الأجنبي الذي يأتي للاستثمار بعد أن تفتّح له الأبواب؟!
إنه - شئنا أم أبينا - رأس المال اليهودي العالمي، الذي يسيطر في بلاده الأصلية، ويسعى لبسط سيطرته على العالم كله!
وهنا يبرز وجه جديد من وجوه العولمة، لا يقل أثرا عن السيطرة الاقتصادية، بل هو في نظرنا أخطر وأشد!
إن المخطط اليهودي للأمميين (وهم كل الأمم من غير اليهود) كما هو وارد عندهم في التلمود، هو أن الأمميين هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وأن من فضل الله على الشعب المختار أن خلق هذه الحمير على صورة آدمية ليتمكن الشعب المختار من استخدامها!!
ويترتب على هذه النظرة أمور كثيرة.. وخطيرة.
فمتى يستحمر الإنسان.. وكيف يستحمر؟!
إن الله يقول في محكم التنزيل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (2) .
فالأصل في الإنسان هو الكرامة والتكريم..
ولكنه - في حالات - يهبط أسفل سافلين: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (3) .
(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (4) .
ذلك حين يعرضون عن عبادة الله، ويعبدون غيره..
ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن الإنسان لا يستحمر وهو صاحب عقيدة، وصاحب أخلاق إيمانية نابعة من العقيدة..
فإذا كان هدفنا استحمار البشر - لغاية في نفوسنا - فماذا نفعل؟
الإجابة واضحة: نفسد عقائدهم، ونفسد أخلاقهم!
وهذا ما تقوم به المؤتمرات الدولية التي تقام بين الحين والحين، لإعطاء الشرعية للفوضى الخلقية والشذوذ الجنسي، وحرية الإجهاض، وتكوين"أسرة!!"من غير زوج وزوجة، ورفع يد الآباء عن التدخل في سلوكيات الأبناء، وحرية الاعتقاد التي تعني - فيما تعني - حرية الإلحاد!