من قديم كان يستوقفني وأنا بعد فتىً حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان" (49) وحديث في ذات الاتجاه يقول:"فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (50) .
كان يستوقفني بشدة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه جهادا، وسماه تغييرا، مع أنه مستكن في داخل القلب، ولا يغير شيئا من الواقع المراد تغييره!
وحين كبر وعيي، وزادت تجاربي فهمت أشياء مما كان خافيا علي من معاني الحديث.
إن الجيش في المعركة قد ينهزم، وقد يتقهقر، وقد يلجئه العدو إلى الخروج من ساحة القتال.. نعم! ولكن! هناك قلعة أخيرة يحتمي في داخلها حتى تواتيه الفرصة لمعاودة القتال. وطالما هو محتم بقلعته لم يسلمها للعدو، فهو في حالة جهاد، لأنه ما زال محتفظا بجنديته وباستعداده. أما إذا سلم القلعة فقد انتهى الأمر، وحلت الهزيمة التي ليس منها فكاك!
وتلك القلعة بالنسبة للمنكر هي القلب..
ومن ثم يسمي الرسول صلى الله عليه وسلم الإنكار بالقلب جهادا، ويسميه تغييرا، مع أنه لا يغير شيئا في الواقع الراهن.
إن المنكِر بقلبه لم يستسلم للأمر الواقع، ولم يعطه شرعية الوجود. لم يعتبر الواقع صوابا، أو ضربة لازب لا فكاك منها. إنما اعتبر فقط أنه الآن في هذه اللحظة عاجز عن التغيير بسبب ضعفه أمام ضراوة المنكر. ولكنه مؤمن بأن موقفه هو - هو الصواب، وهو الذي له شرعية الوجود، أما المنكَر فلا شرعية له، ولا هو على صواب، وإن كانت له السيطرة في اللحظة الراهنة.
هل يستوي هو والذي سلم القلعة، ونفض يديه من المعركة؟
كلا بالطبع! لا يستويان مثلا!
فأما الأول فهو الآن عاجز. نعم، لا يملك من أمر نفسه شيئا وهو محاط ومحاصر ومقهور، ولكنه مؤمن بقضيته ما يزال. وما يزال يراقب الأحداث، يتلمس الفرصة التي قد تسنح في أية لحظة، ليخرج من القلعة، ويعود إلى الميدان.
وأما الآخر فقد انتهت القضية في حسه، واستكان للأمر الواقع، ولم يعد يفكر في تغييره. بل خطّأ نفسه على موقفه السابق منه، وعزم على ألاّ يعود!
فرق هائل في الحقيقة. والرسول الملهم صلى الله عليه وسلم، يعلم - بما علمه ربه - حقيقة الفرق بين الأمرين. ولكنه في الوقت ذاته يحذر من الركون إلى هذا الوضع ركون الراحة والاستقرار! فهو يعلم - بما علمه ربه - أن النفوس تركن وتسترخي! فيقول محذرا:"وذلك أضعف الإيمان"،"وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".. لكي يحرص المؤمن على ألا يتزحزح عن موقفه الأخير هذا مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحوال..
والمنكِر بقلبه لا يشارك في المنكر الذي عجز عن تغييره.. لا يشارك فيه إلا مكرها. لأنه إن شارك موافقا وراضيا ومقتنعا فقد سلم القلعة، وترك المعركة إلى غير رجعة!
وهذا هو"الجهاد"الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.. فهو يجاهد أن يسقط.. يجاهد الهزيمة الداخلية التي لا برء منها، لأنها من أمراض القلوب.
"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب" (51) .
الأمة الإسلامية قد لا تملك شيئا في الميدان الاقتصادي والصناعي في اللحظة الراهنة تقف به في وجه الزوبعة الكاسحة التي تطلقها العولمة، لتبسط سيطرتها على كل الأرض..
أقول قد، ولا أقول إنه الشيء المؤكد، جريًا فقط مع الاحتمال الأسوأ الذي يصوره دعاة العولمة، إذ يقولون إنها الداهية الدهياء، التي لا قبل لأحد بالوقوف في وجهها..
ومع ذلك فهي - حتى في لحظتها الراهنة - تملك كثيرا إذا لجأت إلى قلعتها، فتحصنت في داخلها من الهزيمة الداخلية التي تجتاح قلوب المهزومين.
فأما القضايا الاقتصادية فلا نتعرض لها هنا، ونترك الحديث عنها للمختصين في شئونها، ولكنا نلمّح فقط إلى أن المنطقة التي امتد فيها الإسلام بقدر من الله هي أغنى بقعة في الأرض، بمواردها الطبيعية من مياه ونبات وخامات، كما أن تعدادها البشري يزيد اليوم على الألف مليون. وهي تملك - رغم كل الضعف الذي تعانيه أن تشكل وحدة - أو وحدات - اقتصادية تستغل مواردها وطاقاتها على نحو أفضل، فتصمد أمام الضغوط كما تفعل ماليزيا في الوقت الحاضر، على الرغم من كل العراقيل التي توضع عمدا في طريقها لكي لا تفلت من الحصار!
وأما الخبرة فيمكن أن تكتسب رغم كل العراقيل.. فالعقول الإسلامية المهاجرة - التي ألجأتها ظروفها الخاصة أو العامة إلى الهجرة إلى الغرب - تملك الخبرة، والغرب ذاته يستعين بها وبخبراتها حتى في أدق الشئون.. شئون الطاقة النووية وارتياد الفضاء!
ومع ذلك فإنا نترك أمور الاقتصاد للمختصين..
أما أمورٌ أخرى، فالأمة - بكل فرد فيها - هي جهة الاختصاص! وهي تملك الكثير!
أمر العقيدة.. أمر الأخلاق.. أمر القيم.. أمر المبادئ.. أمر الإنسان، وغاية وجوده، ومعيار إنجازاته.
هذه أمور يملكها كل فرد ملكية خاصة، بمعنى أنها جزء من كيانه الذاتي، لا ينفصل عن ذاته، وعن وجوده الشخصي، ويملك أن يحافظ عليها في داخل قلبه - في داخل قلعته - مهما كانت الفتن من حوله.
وهذه الأمور كلها يملك المسلم فيها زادا ربانيا أصيلا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بينما يملك الغرب فيها بضاعة زائفة مهما بلغ من لمعانها ؛ بضاعة صنعها البشر من عند أنفسهم وهم في أشد حالات الانحطاط الروحي والأخلاقي، لظروف محلية بحتة عندهم، وإن زعموا أنها ذات طابع إنساني شامل، يشمل - أو يجب أن يشمل - كل أرجاء الأرض!
ما الإنسان في نظر الغرب؟!
إنه ذلك الحيوان الدارويني المتطور، الذي تطور عقله وإبهامه (!) فاستطاع أن يفكر وينطق ويستخدم الأدوات، فصنع الحضارة المادية..
وأما هدفه في الحياة فهو الاستمتاع الحسي من جهة والغلبة في الصراع - صراع البقاء - من جهة أخرى، وأدواته في الصراع هي العلم والحرب والسياسة.
ثم إنه هو مرجع ذاته، لا مرجع فوقه، وكل ما يفعله فتبريره الأوحد أنه صادر عنه.. أي أنه هو الإله..
وهذا الحيوان المتأله هو الذي يريد أن يفرض"حضارته"على كل الأرض!!
كلا والله! ولن يكون بإذن الله..
إن الإنسان كما خلقه الله أعلى بكثير، وأكرم بكثير، من أن ينحصر فيما تريد هذه الحضارة الزائفة أن تحصره فيه.. (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (52) .
إنه قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله.. (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (53) .
والذين يتعاملون مع قبضة الطين وحدها ويهملون نفخة الروح لا يتعاملون مع"الإنسان"، وإنما يتعاملون مع مسخ مشوه يقول الله عنه إنه أضل من الحيوان: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (54) .
ولا يشفع لهم، ولا يرفع من هبوطهم كل ما يملكون من تقدم علمي وتكنولوجي واقتصادي وحربي وسياسي إلا حين يعودون إلى إنسانيتهم كما خلقها الله من قبضة طين ونفخة وروح..