(( وهذه العقبات أساسية0 وليس هناك أمل في تذليلها0 وسيظل التغلب عليها شاقًا يستلزم جهودًا مضنية00
(( إن معرفة نفوسنا لن تصل أبدًا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، الجمال، التى بلغها علم المادة0 إذ ليس من المحتمل أن تختفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان00 فعلينا أن ندرك بوضوح أن علم الإنسان (( هو أصعب العلوم جميعًا ) )0
وهكذا يتضح من تقريرات هذا العالم الكبير، الذى أتيحت له فرصة الاطلاع على نتائج البحوث الضخمة، أن هناك فارقًا أساسيًا بين علوم المادة وعلوم الحياة0 وأن هناك بالذات فارقًا أساسيًا بين طبيعة علوم المادة، وطبيعة علم الإنسان، وبين طبيعة موقف العقل من هذه وتلك0 وأن هذا الفارق كامن في أمرين ثابتين، لا يتعلقان ببيئة ولا زمان، ولا بظروف وقتية مرهونة بالزمان والمكان00 هما:
1-تعقد الموضوع0
2-طبيعة تركيب عقولنا0
وأن تقدم الإنسان في علوم المادة، وإبداعه في العالم المادى، وصحة بحثوه ونظرياته في ذلك الحقل، لا تقتضى تقدمه في علم الإنسان، ولا صحة بحوثه ونظرياته في هذا الحقل0 وأن هذا الحق غير ذاك0 في طبيعتهما أولًا، ثم في مدى التقدم الذى وصل إليه الإنسان بالفعل ثانيًا0 ثم فيما ينتظر تقدم الإنسان في كليهما ثالثًا0
وأن (( جهلنا مطبق ) )بالإنسان كما يقرر (( العالم ) )الكبير000
هذا الواقع (( العلمى ) )عن: (( الجهل المطبق ) )بالإنسان- مع العلم النسبى بالمادة- نتيجة متوقعة، وثمرة طبيعية، لحقيقة دور الإنسان في الأرض، وغاية وجوده الإنسانى في الكون، كما تبدو من خلال التصور الإسلامى00 والإسلام00 يرتب على هذه الحقيقة نتائجها، فيطلق يد الإنسان في عمارة الأرض، واستخدام طاقاتها وخاماتها0 والتحليل فيها والتركيب، والتحوير فيها والتعديل00 بينما هو يضع لهذا الإنسان منهج حياته، الذى يحكم هذه الحياة، ولا يكل إليه هو وضع هذا المنهج، لأنه مزود بطاقات معينة ليتحكم في المادة عن علم- نسبى طبعًا- بينما هو غير مزود بمثل هذه الطاقات لمعرفة نفسه، حتى يتحكم في أمرها عن علم كما يتحكم في المادة0
فالإنسان- في التصور الإسلامى- هو سيد هذه الأرض، بخلافته فيها عن الله، وكل ما فيها مسخر له، بقدرة الله تعالى، وقد أوتى إمكان العلم بشئونها، هبة من الله سبحانه، والاستمتاع بطبيعاتها وجمالها، نعمة منه خالصة00 وليست الأرض وحدها مكل ما فيها من أحياء وأشياء00 ولكن كذلك السماوات مهيأة لمساعدة الإنسان في خلافته في الأرض، ومراعيًا في بنائها دور الإنسان في هذه الخلافة0 إنه أمر عظيم هائل00 ولكنه كذلك!
(( هو الذى خلق لكم ما في الأرض جميعًا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات0 وهو بكل شئ عليم0 وإذ قال ربك للملائكة: إنى جاعل في الأرض خليفة0 قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إنى أعلم ما لا تعلمون0 وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين0 قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم0 قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم0 فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إنى أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟ وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم0 فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين00 ) )
(البقرة29- 34)
(( الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون0 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه0 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) )0
(الجاثية: 12- 13)
(( والأنعام خلقها لكم، فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون0 ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون0 وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم0 والخيل والبغال والحمير لتركبوها، وزينة، ويخلق ما لا تعلمون0 وعلى الله قصد السبيل0 ومنها جائر0 ولو شاء لهداكم أجمعين0 هو الذى أنزل من السماء ماء، لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون0 ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون0 وسخر لكم الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون0 وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون، وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منها حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون0 وألقى في الأرض رواسى أن تميد بكم، وأنهارًا وسبلًا لعلكم تهتدون0 وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) )000
(النحل: 5-16)
ولكن هذا الإنسان- في التصور الإسلامى كما هو في الحقيقة- على كل ما استودعه الله من أمانة الخلافة الكبرى في هذا الملك العريض0 وعلى كل ما سخر له من القوى والطاقات والأشياء والأحياء فيه، وعلى كل ما أودعه هو فيه من طاقات المعرفة والاستعداد لإدراك الجوانب اللازمة له في الخلافة من النواميس الكونية00 على كل هذا هو مخلوق ضعيف، تغلبه شهواته أحيانًا، ويحكمه هواه أحيانًا0 ويقعد به ضعفه أحيانًا، ويلازمه جهله بنفسه في كل حين00 ومن ثم لم يترك أمر نفسه ومنهجه في الحياة لشهواته وهواه وضعفه وجهله00 ولكن أكمل الله عليه نعمته ورعايته، فتولى عنه هذا الجانب،
الذى يعلم- سبحانه- أن الإنسان لا يقدر عليه قدرته على المادة، ولا يعلم بمقتضياته علمه بقوانين المادة0
وأول ما ظهر من ضعفه وعجزه وخضوعه للإغراء والشهوات، ما يصوره القرآن الكريم من استسلامه لإغواء الشيطان له بشهوة الخلد وشهوة الملك، ونسيانه أنه عدوه الذى يتربص به، ونسيانه كذلك تحذير الله له00 وهو تصوير للحقيقة الخالدة في الإنسان- ما لم يعتصم بالله ومنهجه للحياة- وإلا فهو الشقاء والنكد في الحياة الدنيا وفى الحياة الأخرى:
(( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل، فنسى ولم نجد له عزمًا0 وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم0 فسجدوا، إلا إبليس أبى0 فقلنا: يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى0 إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى0 وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى0 فوسوس إليه الشيطان: قال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ فأكلا منها، فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى0 ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى0 قال: اهبطا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم منى هدى: فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى0 ومن أعرض عن ذكرى فإنه له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى0 قال: رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك آتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى0 وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) )00 (طه: 115- 127)
وتتواتر الإشارات على جهل الإنسان بأمر نفسه ومستقبله ومصيره ومآلات أفعاله، مع تأثره بالشهوات وبالهوى وبالضعف بحيث لا يصلح- بجهالته هذه وضعفه وهواه- لأن يتولى وضع منهج لحياته هو، وإن كان مزودًا بالقدرة على استخدام المادة، ومعرفة قوانينها اللازمة له في الخلافة00 في إطار المنهج الذى رسمه الله لحياته00
(( ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا000 ) ) (الروم: 6- 7)
(( ويسألونك عن الروح: قل: الروح من ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا ) )000 (الإسراء: 85)
(( وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدرى نفس بأى أرض تموت، إن الله عليم خبير ) )000 (لقمان: 34)