فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 2255

(( مهما يكن من أمر، فقد كان على الإنسان أن يعيش0 وهذه الضرورة طالبته بقهر العالم الخارجى0 وإذ لم يكن له مفر من الحصول على الغذاء والمأوى، كما لم يكن له مفر من قتال الحيوانات المتوحشة وغيره من بنى الإنسان00 ولآماد طويلة لم يفز أجدادنا الأوائل بوقت فراغ، كما لم يشعروا بأى ميل إلى دراسة أنفسهم، إذ كانوا يستخدمون عقولهم في أمور أخرى كصناعة الأسلحة والأدوات، واكتشاف النار، وتدريب الماشية والجياد، واختراع المركبات، وزراعة الحبوب.. إلخ.. وقبل أن يهتموا بتركيب أبدانهم وعقولهم بوقت طويل، فكروا في الشمس والقمر والنجوم، والتيارات المائية، وتوالى الفصول الأربعة.. ولهذا تقدم علم الفلك بخطى واسعة، في عهد كان علم الفسيولوجيا لا يزال غير معروف بتاتًا.. فقد قهر جاليلو الأرض وهى مركز المجموعة الشمسية. وذلك على أنها تابع متواضع من توابع الشمس. بينما لم تكن لدى معاصريه أية فكرة، ولو أولية، عن تركيب ووظائف العقل والكبد، وغدة الثايارويد(الغدة الدرقية) . ونظرًا لأن الجسم البشرى يؤدى وظائف بطريقة مرضية في أحوال الحياة الطبيعية، ولا يحتاج لأى اهتمام، فقد تقدم العلم في الاتجاه الذى وجهه إليه حب الاستطلاع البشري - أى في اتجاه العالم الخارجي0

(( ومن بين ملايين الملايين من الجنس البشرى الذين سكنوا هذا العالم بالتعاقب، كان يولد أشخاص قلائل، من حين لآخر، وهبتهم الطبيعة( ) قوى مدهشة نادرة، كسرعة إدراك الأشياء المجهولة، والخيال الذى ابتدع عوالم جديدة، والقدرة على اكتشاف العلاقات الخفية الموجودة بين ظواهر معينة.. وقد استكشف هؤلاء الرجال العالم المادى.. وهو عالم بسيط التركيب. ومن ثم فقد استسلم بسرعة لهجمات العلماء، وسلم أسرار قوانين معينة من قوانينه. وقد مكنتنا معرفة هذه القوانين من استخدام عالم المادة لفائدتنا. فإن التطبيق العملى للاكتشافات العلمية يدر ربحًا على أولئك الذين يحسنونها ويرتقون بها. وفضلًا عن لك، فإن استخدامها يؤدى إلى تسهيل حياة الجميع.. إن هذه الاكتشافات تسعد الجمهور، لأنها تزيد من راحته ورفاهيته. وبالطبع أصبح كل شخص أكثر اهتمامًا بالاكتشافات التى تقلل من بذل المجهود الآدمى، وتخفف العبء عن العامل، وتزيد في سرعة وسائل المواصلات، وتلطف من خشونة الحياة، أكثر من اهتمامه بالاكتشافات التى تلقى بعض الضوء على أجسامنا وإحساساتنا00 وهكذا أدى قهر ( ) العالم المادى، الذى استأثر باهتمام وإرادة الإنسان بصفة مستمرة، إلى نسيان العالم العضوى والروحى نسيانًا تامًا0

(( وحقيقة الأمر أنه لم يكن مناص من معرفة ما يحيط بنا0 ولكن ذلك لا يعنى أن معرفة طبيعتنا أقل أهمية00 ومع ذلك فقد اجتذب المرض والألم والموت، وإلى حد ما تلك اللهفة الغامضة من نمو تلك القوة الخفية التى تسمو على عالمنا المادى00 كل هؤلاء اجتذبوا انتباه بنى الإنسان- إلى درجة ما- نحو العالم الداخلى لأجسامهم وعقولهم0

(( وقد قنع الطب في بادئ الأمر، بالمشكلة العملية، أى إراحة الإنسان من المرض عن طريق الوصفات0 ولكنه- أى الطب- أدرك أخيرًا، أن الطريقة الفعالة لمنع المرض أو الشفاء منه، هى فهم الجسمان الطبيعى والجسم المريض فهمًا تامًا .. وبعبارة أخرى إنشاء العلوم التى تترف باسم (( علم التشريح ) (( علم كيمياء الحياة ) (( علم وظائف الأعضاء ) (( علم الأمراض ) )00

(( وعلى كل حال كان يبدو لأسلافنا أن لغز وجودنا، ومتاعبنا الأدبية ولهفتنا على المجهول، وظاهرة علم ما وراء المادة، أكثر أهمية من الآلام البدنية والأمراض. ومن ثم فقد اجتذبت دراسة الحياة الروحية والفلسفة أنظار رجال عظماء أكثر مما اجتذبتهم دراسة الطب. فعرفت قوانين (( التصوف ) )قبل أن تعرف قوانين علم وظائف الأعضاء .. ولكن أمثال هذه القوانين عرفت فقط عندما ظفر الإنسان بوقت فراغ كاف، جعله يحول قليلًا من اهتمامه إ لى أشياء أخرى غير قهر العالم الخارجي0

(( وثم سبب آخر للبط الذى اتسمت به معرفتنا لأنفسنا00 وذلك أن تركيب عقولنا يجعلنا نبتهج بالتفكير في الحقائق البسيطة، إذ أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولى حل مشكلة معقدة مثل تركيب الكائنات الحية والإنسان00 فالعقل- كما يقول برجسون- يتصف بعجز طبيعى عن فهم الحياة00 وبالعكس فإننا نحب أن نكشف في جميع العوالم، تلك الأشكال الهندسية الموجودة في أعماق شعورنا00 إن دقة النسب البادية في تماثيلنا، وإتقان آلاتنا، يعبران عن صفة أساسية لعقلنا00 فالهندسة غير موجودة في دنيانا وإنما أنشأناها نحن0 إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبدًا بالدقة التى تتصف بها وسائل الإنسان0 فنحن لا نجد في العالم ذلك الوضوح وتلك الدقة اللتين يتصف بهما تفكيرنا00 ومن ثم فإننا نحاول أن نستخلص من تعقد

الظواهر، بعض النظم البسيطة التى تربط بعض عناصرها بالأخرى علاقات معينة، تكون قابلة للوصف حسابيًا0 وقدرة الاستخلاص هذه التى يتمتع بها العقل البشرى مسئولة عن ذلك التقدم الرائع الذى أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء0

(( ولقد لقيت الدراسة الطبيعية- الكيماوية للكائنات الحية نجاحًا مماثلًا، فقوانين الطبيعة والكيمياء متماثلة في عالم الكائنات الحية وعالم الجماد- كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد- وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديثة مثلًا، أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة، وأن النشاط الذى تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر00 الخ، وأن النواحى في الأشياء الأخرى الموجودة في العالم المادى0 تلك هى المهمة التى نجح علم الوظائف العام في تحقيقها0

(( إن دراسة الظواهر الفسيولوجية الحقة- أى تلك الظواهر التى تنتج من تنظيم الكائن الحى- تواجه عقبات أكثر أهمية، إذ أن شدة ضآلة الأشياء التى يجب تحليلها، تجعل من المستحيل استخدام الفنون العادية لعلمى الطبيعة والكيمياء00 فأى طريقة يمكن أن تكشف القناع عن التركيب الكيماوى لنواة الخلية الجنسية، والكروموسومات، والجنيس التى تؤلف هذه الكروموسومات؟ مهما يكن فإن المجموع الكلى للمواد الكيماوية الشديدة الضآلة، على أعظم جانب من الأهمية، لأنها تحتوى على مستقبل الفرد والجنس0 كما أن قابلية أنسجة معينة لسرعة العطب- مثل المادة العصبية- عظيمة إلى درجة أن دراستها في حالة الحياة مستحيلة تقريبًا0

(( ونحن لا نملك أى فن يمكننا من النفوذ إلى أعماق المخ وغوامضه، أو إلى الاتحاد المتناسق بين خلاياه00 وعقلنا الذى يحب ذلك الجمال البسيط للتراكيب الحسابية، ينتابه الفزع حينما يفكر في تلك الأكداس الهائلة من الخلايا، والإحساسات التى يتكون منها الفرد00 ومن ثم فإننا نحاول أن نطبق على هذا المخلوط، الأفكار التى ثبتت فائدتها في مملكة الطبيعة والكيمياء والميكانيكيات00 كذا في النظم الفلسفية والدينية00 ولكن مثل هذه المحاولة لا تلقى نجاحًا كبيرًاُ، لأن أجسامنا لا يمكن أن تختزل إلى نظام طبيعى- كيماوى، أو إلى كيان روحى00 بالطبع إن على (( علم الإنسان ) )أن يستخدم آراء جميع العلوم الأخرى، ولكن عليه أيضًا أن ينمى آراءه الخاصة، لأنه علم جوهرى مثل علوم الجزئيات والذرات والإلكترونيات0

(( صفوة القول: أن التقدم البطىء في معرفة بنى الإنسان- إذا قرون الرائع في علوم الطبيعة والفلك والكيمياء والميكانيكا- يعزى إلى:

1-حاجة أجدادنا إلى وقت فراغ0

2-وإلى تعقد الموضوع0

3-وإلى تركيب عقولنا0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت