فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 2255

* أن مهمة هذا الإنسان هي عبادة الله وإعمار كونه.

* وأن الله وصله بالسماء عن طريق الرسل وبين له الطريق إليه.

إننا سنجد أمامنا جملة من المعطيات القرآنية التي تشكل هذه التصورات حول بناء الأم وسقوطها وسنشير إلى أهم القوانين التي يلزم تذكرها واستحضارها:

* قلة المعطيات وضخامة المطلوب (قانون المعطيات الصفرية)

لقد كلف الله الرسول صلى الله عليه وسلم بمهمة تبليغ الدين والتمكين له. وأمره بأن يسعى لإقامة مشروع حضاري إنساني عالمي. ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} 86، وكان هذا التكليف في ظروف تكاد تشهد أن هذه المهمة مستحيلة. فالظرف البيئي (الجغرافي - الاجتماعي - السياسي - الديني) ظرف معاد، والمستوى الحضاري والتنظيمي منخفض جدًا، والسقف التقني للمواصلات والاتصالات - للقيام بمشروع عالمي - بسيط جدًا، هذا الوضع يكاد يجعل المهمة مستحيلة.

* نقطة الانطلاق

إن نقطة الانطلاق لعمل تحول اجتماعي في أي مجتمع من المجتمعات هي حدوث تحول آخر إيجابي في داخل البناء النفسي للمجتمع. يقول الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} 87. يغيروا ما بأنفسهم من أفكار ومشاعر. فإذا وجدت في مجتمع ما كتلة إيجابية من الأفكار والمشاعر والنماذج المختزنة، فإنها لاشك ستؤدي إلى تحولات في المحيط الخارجي متناسبة معها. أما التحول الكامل فيحتاج إلى كتلة حرجة من هذه الأفكار والمشاعر الإيجابية.

* نقطة الهبوط

وهذه النقطة أيضًا هي النقطة الإيجابية في التحول السلب. يقول تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} 88. فإذا حدث تحول إيجابي في النماذج المختزنة والمشاعر والأفكار سيتبعه تغير إيجابي في الواقع الخارجي، والعكس صحيح. فإذا كان الناس في نعمة وخير واختل عالم الأفكار وعالم المشاعر عندهم، فسينعكس ذلك على العالم الخارجي ويحدث التغير السلبي.

* حدوث الانهيار

وينهار المجتمع بعد فترة من التغير السلبي. يقول الله عز وجل: {وإن من قرية إلا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدًا} 89. فالمجتمعات والأمم في مراحل تداول مستمرة. ولا تدوم لها حال أبدًا من التغير الإيجابي، ولا يستمر لها حال أبدًا من التغير السلبي. فهي تنتقل من حال إلى حال. قد تطول المدة وقد تقصر، لكن التحولات في المجتمعات البشرية قائمة. وبالتالي يصبح قانون التداول فعالًا. {وتلك الأيام نداولها بين الناس} .90

* لابد من سبب للانهيار

إن هذا الانهيار والسقوط له أسبابه، و يحدث نتيجة عمل تقوم به هذه المجتمعات {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا} 91، {وما كان ربك مهلك القرى وأهلها مصلحون} .92 فالقرى تهلك إذا عم الظلم. وتنجوا إذا كان أهلها مصلحين، إن الآية لم تقل {صالحين} . فهم في عملية إصلاح وبناء مستمرة.

يتبين لنا مما سبق أن الانهيار حتمي. لكنه يأتي بأسباب موضوعية.

* دور القمة في الانهيار

إن الانهيارات تبدأ من القمة وسكوت عنه من القاعدة. يقول تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا} 93

{أَمَرنا مترفيها} بالعدل أو بالحق فلم يفعلوا.

وفي قراءة { أمَّرنا مترفيها} (بتشديد الميم) : أي جعلنا مترفيها هم السادة ففسقوا فيها بخروجهم عن العدل، والصواب، و الحق، والدين. وكان عاقبة هذا الفسق أن دمرهم الله تعالى.

* دور القاعدة في الانهيار

إن الفساد غالبًا ما يأتي في القمة. ثم يأتي دور القاعدة لإصلاح الأوضاع. ورفض الظلم. لكن أغلب الجموع تستكين. وفي ذلك يقول الله عز وجل: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} 94. إنهم لم يأخذوا على أيدي الظالمين، لذلك فالهلاك يعم الجميع. والله تعالى يصف مشهد القطاع العريض ممن تبعوا القلة الظالمة، فيقول: {وبرزوا لله جميعًا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} 95.

إن اتباع الأغلبية لهذه الأقلية الفاسدة يكون بمجاراتها ومحاكاتها وعدم الأخذ على يدها. وكل هذا يؤدي بالضرورة إلى الانهيار.

* معادلة النصر

ويقدم القرآن لنا معادلة رائعة في قضية النصر والهزيمة. فنحن ننسب النصر لله عز وجل: {وما النصر إلا من عند الله} .96 فإن أي مجتمع يأخذ بأسباب القوة التي أرادها الله سبحانه وتعالى، ثم ينتصر على خصومه، فإن هذا النصر هو منة من الله تعالى. فلا يفخر الإنسان، ولا يظن أن عمله هو الذي أدى إلى نصره؛ بل يعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي وفقه للخير ابتداءً، ويسر له هذا العمل، وخذل عنه عدوه، وقدر له أن ينتصر.

* معادلة الهزيمة

أما إذا هزم مجتمع ما فإن ذلك يتطلب أن تتم سلسلة مراجعات، وألا يُنسب الفشل إلى الله. فالقرآن يقول في هزيمة المسلمين في أحد: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} 97. فيجب أن تحدث مراجعة شاملة للخطوات التي تمت لمعرفة أسباب الخطأ وكيفية ومكان حدوثه، وأن يتم تصحيح هذه الأخطاء حتى ينتقل المجتمع إلى انتصار.

فلا يجب أن نقول أن"هذا هو قدر الله سبحانه وتعالى علينا وأنه لا مفر من ذلك وأنه يجب عدم المراجعة وعدم التمحيص وعدم النظر والتسليم بأن هذه أقدار لله سبحانه وتعالى، وأننا لم نخطئ". إن ذلك القول من الظلم الكبير لمنهج الله عز وجل. فمنهج الله يقوم على التحسين المستمر لحياة الإنسان، وطلب الأفضل من خلال استخدام عقله. يقول تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملًا} 98.

إننا يجب أن نقوم بسلسلة مراجعات لكل الإجراءات بدون تجريم الأشخاص واحتقارهم، أو إذلالهم على أخطائهم. فالمراجعة تكون بهدف تصحيح المسار.

* حتمية الصراع

ويعلمنا القرآن الكريم أن الصراع حتمي. وأن التدافع بين البشر سيستمر. يقول رب العزة: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} 99.

إن التدافع سنة لا تتبدل. ومن لا يستعد للتدافع - ويعتقد أن دورة الحياة ستتوقف وأنه غير مسئول عن تحديد كيفية التعامل مع هذه السنة فقد أنكر سنة من سنن الله عز وجل. فلا نصر بدون مدافعة. ولا تمكين بدون ألم.

* الأمل العائد

فالأيام دول، ولا تتربع على سلم الحضارة أمة إلى أبد الآبدين . يقول تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} 100. إن الباب مفتوح لأي أمة تريد أن تتسلم مفاتيح الحضارة. شريطة أن تجد وتأخذ بالأسباب.

* ضرورة وقف الفساد

يقدم القرآن لنا قانونًا آخر عن ضرورة وقف الفساد. يقول تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم} 101.

* الاهتمام بالنوع لا بالكم فقط

ويدلنا على الاهتمام بالنوع، وليس بالكم فقط {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} 102 .

* سنة الاستبدال

يقول تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} 103. وهي سنة قائمة إلى يوم القيامة. وهي تفسر لنا كيف أن الإسلام سينتصر لا محالة.

إن الكثيرين من العاملين للنهضة يرددون مقولة"الإسلام قادم لا محالة". ولا شك أن كل المسلمين يثقون في ذلك. لكن السؤال هو: ما دور من يتحدث عن حتمية عودة الإسلام؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت