إن من يغيرون في أنفسهم في بعض الجوانب مثل تصحيح العقيدة وإقامة الشعائر وفقط. سيقيمون حضارة تهتم بتشييد المساجد وفقط. وسينعكس ما أصلحوه من أنفسهم على حضارتهم. ولو اهتموا مع الجوانب السابقة بجوانب التغيير في منظومة أفكارهم ومنهجيات تفكيرهم، واهتموا بالعلم، لصنعوا مع هذه الحضارة الروحية حضارة مادية تجسد النموذج المنشود.
بل إن الفهم السكوني لبعض نصوص الدين يكون معوقًا عن الامتثال لرب العزة بتغيير ما بأنفسنا. فالبعض ليس عنده إرادة التغيير، وهو يكتفي بإنكار القلب أملًا أنه إذا صحح من عقيدته وعبادته فستمطر السماء سيوفًا تقتلع عتاة الفساد والظلم. إنها فكرة غريبة على منهجية رسول الله صلى الله عليه وسلم في التغيير. وفارق بين الصبر والاستسلام، وبين لين القول والخنوع. وبين الضعف والقوة.
إن التغيير الداخلي للإنسان هو الذي يحدد مسئوليته تجاه التاريخ والأحداث، وهذه القيمة التغييرية"بدلًا من أن تلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نحدد إزاءها مسئولياتنا. فبقدر ما ندرك أسبابها ونقيسها بالمقياس الصحيح، نرى فيها منبهات لإرادتنا وموجهات لطاقاتنا، وبقدر ما نكتشف من أسرارها، نسيطر عليها بدلًا من أن تسيطر علينا، فنوجهها ولا توجهنا هي لأننا حينئذ نعلم أن الأسباب التاريخية، تصدر عن سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء، أعني (من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييرًا يحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية) كما رسمها القرآن في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ".82
إن سنة التغيير لا تتخلف، وبقدر ما سنغير في منظومتنا النفسية الداخلية، ؛ بقدر ما ستكون حضارتنا. وقد غير الغرب في منظومته الفكرية والنفسية، فتترس بالإرادة، وحطم المستحيل، وانطلق يكتشف الآفاق، وأسس حضارة مادية كبيرة. وعندما فشل في تغيير الشق القيمي والديني في منظومته، فإنه فشل في أن يتوج حضارته بالقيم الفاضلة، وأن يربطها بنداوة السماء.
الخلاصة
لكي تقوم الحضارة يجب أن:
* تأتي التحديات والمشاكل والأحداث الكبرى.
* ثم يأتي قرار الإنسان بأن يغير ما بنفسه.
* ثم ينطلق حسب سنة التدافع الكونية ليمحص ويتميز.
* ثم يأتيه الدور حسب سنة التداول.
قال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} .83
التوظيف العملي
* الاهتمام بالإنسان وتدريبه وتطويره وتنمية قدراته الإبداعية..
* إن تشجيع الإبداع ليس بالكلام وفقط، بل هو ثقافة مجتمع تتمثل في تقديم القيادات المبدعة، وفي مناقشة أي جديد مناقشة موضوعية، وفي تدريب الشباب - ومن قبل الأطفال - وتقديمهم والأخذ بآرائهم. إنه سلوك منظمة وتيار ومجتمع، وليس حديث لسان يصير رمادًا فتذروه الرياح.
* إن صناعة الإنسان المبدع ضرورة ملحة لأي نهضة. ويجب أن يهتم بذلك المعنيين بقضايا التربية، سواءً في الحكومات أو التيارات. فالشخص المبدع هو الضالة المفقودة الذي يبحث عنه أي مجتمع. وتكون الطامة الكبرى إذا صارت المجتمعات و الجماعات والأحزاب بيئة طاردة للمبدعين، ولم تكن بيئة صالحة لجذبهم والاستفادة منهم.
* التراب عنصر هام. ويمكن توسعته في فكر مالك ليشمل الكون المسخر للإنسان. ولذلك على قادة النهضة أن يسعوا إلى الاستفادة من كل الموارد المتاحة، والاهتمام بتعلم الوسائل التكنولوجية الحديثة وتسخيرها لخدمة المشروع.
* الوقت عنصر رئيس في قضايا النهضة والتغيير. وقيمة تقديره وحسن الاستفادة منه يجب أن تربى عليها الأجيال. وتصبح سمة واضحة للقادة والعاملين في مجال النهضة.
* الأمم التي نهضت استثمرت أوقاتها. ونحن الآن في عصر السرعة. لذلك فإن التكاسل في العمل للنهضة، والاكتفاء بالمقولات السلبية التي تبرر عدم إنجاز المشروع - بحجة أن إرادة الله لم تأت - أمر
في غاية الخطورة. إن كل الأمم التي نهضت كانت تسابق الزمن، وكان قادة نهضتها يشعرون أنهم سينجزون مشروعهم في فترة وجودهم.
* إن الذين ينتظرون أن تتغير الأوضاع ستلحقهم سنة الاستبدال. يقول تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} 84. فسيأتي آخرون يعطون للوقت قيمته. ويدركون أنهم في سباق مع مشاريع أخرى تريد أن تبتلعهم.
* إن الاهتمام بالتربية الروحية. والاعتزاز بالإسلام. والإيمان بإمكانية التغيير، والثقة في نصر الله أمر يجب أن يغرس في نفوس العاملين للنهضة. إذ الروح إذا اندمجت بأية فكرة أنتجت قوة هائلة قادرة على الفعل.
* إن عمليات التربية للأفراد والمجتمعات ينبغي أن تكون متكاملة شاملة، لا تغلب جانبًا على آخر. فإن تغيير واقعنا سيكون بحسب الجوانب التي تغيرت فيها أنفسنا. ويأتي في الأولوية تعليم العقيدة الصحيحة والإسلام القائم على العدل والحرية، وكذلك نشر القيم الإيجابية التي تعطي الثقة في النفس وإمكانية التغيير، وانتزاع القيم السكونية انتزاعًا يجعل الأمة تنتفض نحو نهضتنا المنشودة.
* إذا أردنا أن نغير ما بأنفسنا، فلنبدأ أولًا بعالم الأفكار كما بدأ الوحي، وذلك بتصحيح العقيدة والتصورات عن الإله والكون والغيب، وعن العلم ومنهجياته ..الخ، وبتغيير أنماط ومنهجيات التفكير المتخلفة التي تحول دون أي نهضة. كما تؤدي إلى حالة من الجمود تصيب المجتمعات و التيارات والجماعات.
* يجب إزالة كل الأفكار القاتلة التي تعوق عملية النهضة، سواءً كانت هذه الأفكار تتعلق بمنهجيات التفكير السائدة من تقليد أعمى، أو اتباع الظنون، وغياب المنهجية العلمية في التعامل مع الأحداث، أو كانت تتعلق بالقضايا العامة مثل النماذج المختزنة حول الحق والعدل والحرية والمساواة والإخاء، وكل هذه المعاني التي تحتاجها المجتمعات للنماء. لأن ما يتشكل في العقل وفي المشاعر هو الذي ننفذه في الواقع بعد ذلك. فإذا كان تعصبًا وظلمًا واستبدادًا وانتقاصًا لحقوق الآخرين انعكس ذلك على الواقع في شكل نظام سياسي واقتصادي بعد ذلك. ويؤدي ذلك إلى ثورات وانفجارات وحركات رفض. فيهدد المجتمع في استقراره ومن ثم لا تقوم نهضة ولا يتحرك المجتمع إلى الأمام.
* إن التحديات التي تمر بها الأمة تمثل فرصة حقيقية لاستفراغ طاقة الأمة وإحساسها بالحاجة الملحة إلى التغيير.
* إن سنة التدافع قائمة لا محالة. ويجب أن يدرك حقيقتها قادة النهضة، فإقامة الحضارات ونهضة المجتمعات ليست نزهة خلوية. ولا يكفي الحديث عنها، كما لا يكفي التأكيد النظري بالإيمان بسنة التدافع؛ بل يجب العمل والتفكير الجاديين لكي يحسن استخدام قانون التدافع.85
* سنة التداول كذلك آتية لاشك فيها، وهي تمثل قانون الأمل العائد، ويجب أن نبشر بذلك وأن تستعد الأمة لبزوغ نجمها مرة أخرى.
الفصل الثامن
عماد الدين خليل
والتكاملية التفسيرية للتاريخ
لقد كتب عماد الدين نظرته التكاملية لتفسير التاريخ، ولن ننقل ما كتبه حرفيًا، ولكننا نقتبس من كتاباته، ونضيف إليها بعض ما يتطلبه سياق الحديث.
إن الإسلام يطرح صورة كلية للموضوع التاريخي، سنتناول أبعادها الأساسية بصورة مجملة:
* أن الأزلي المطلق هو الله الذي شاءت إرادته أن يخلق الخلق.
* أن الإنسان هو اكرم المخلوقات عند الله قد أعطى ملكات ومواهب.