فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 2255

بمجمل ما هو موروث من أفكار وأقوال ومعتقدات. فمن أين يأتي التقدم والتطور إذا كان الإنسان قد أوقف عقله وجمده ومنعه من التفكير؟ بل وربما أغلق الأقدمون عقولهم كذلك على فكرة أول شخص بدأ بوضع ما يراه. فأهل الجاهلية لا يريدون إرهاق عقولهم في البحث عن الحقيقة. فجاء الإسلام ليقابل هذه النمطية المتكلفة في التفكير وهذا الأداء المتخلف في الفعل، فكان رد القرآن عليهم"أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون"67 و"أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون"68، وغيرها من المواجهات القرآنية التي أُريدَ بها تصحيح العقل وتنظيم المنهج العلمي في البحث والتفكير بإنكار حالة الانحباس الماضوي.

وواكب هذا الاختلال القيمي المفاهيمي إعراض شديد عن التعلم والعلم. فيصف القرآن حالتهم بقوله:"جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا"69، فهو إعراض كامل عن تلقي أي معلومات، وعن الاستفادة من ملكات السمع والبصر والنظر والعقل. هذه المنظومة المختلة جاء الإسلام ليعالجها. فقدم لنا نموذجًا راقيًا لما يمكن أن نسميه بالثورة الفكرية التي

أحدثها الإسلام. فكانت أول قضية يثيرها القران الكريم بشكل كبير قوله تعالى:"اقرأ.. الذي علم بالقلم.."70، وقوله:"والقلم وما يسطرون"71، وقوله:"أفلا يبصرون... أفلا يسمعون... أفلا يعقلون...".

ثم يأتي الخلل الثالث في العقلية الجاهلية، ألا وهو الاعتماد على الظن. فكان قولهم"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"72، فكان رد القرآن عليهم"وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون"73. ويواجه القرآن هذه الحالة فيقول:"وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة، إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين"74. ويقول:"إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا"75."انتهى"

وقد تحدثنا بشيء من التفصيل في كتاب"النهضة .. من الصحوة إلى اليقظة"عن بعض الأفكار القاتلة وأنماط التفكير المختلة التي تقتل الإبداع وحب المغامرة والتجربة، وبتعبير أشمل: تقتل مقومات نهضة أي أمة.

عالم الأفكار ( عقيدة ومنهجية تفكير)

إن الذي يتأمل في خطاب الوحي في مكة؛ يجد أنه جاء أولًا لتصحيح نظرة الإنسان عن الإله والكون والغيبيات، وإلى آخر ذلك من التصورات التي يطلق عليها"العقيدة"، كما اهتم القرآن المكي بمعالجة أنماط ومنهجيات التفكير المختلة، التي تعيق نهضة أي أمة- حتى وإن صحت نظرتها للإله والكون والغيب (العقيدة) . فعقيدة سليمة مع أنماط ومنهجيات تفكير مختلة لا تبني حضارة مطلقًا، وأنماط تفكير سليمة بدون عقيدة صحيحة تبني حضارة مادية خاوية، تحمل في طياتها عوامل الانهيار المتقدم.

أنماط ومنهجية التفكير

العقيدة

عالم الأفكار

الله

الكون

الغيب

الخ

أسباب سقوط الحضارات

ويرجع مالك بن نبي سقوط الحضارات إلى فقدان القيم الروحية والفضائل الخلقية باعتبارها جوهر الحضارات. فالروح التي تعشق السمو، وتعشق المكانة الرفيعة، ولا ترضى بالدون، روح تنبعث فيها الحضارة وتنمو. فهو يعزي الأسباب الجوهرية التي عززت سقوط الحضارة الإسلامية"إلى فقدان القيم الروحية والفضائل الخلقية، باعتبارها قوة جوهرية، في تكوين الحضارات، وأينما توقف إشعاع الروح خمد إشعاع العقل، إذ يفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان".76

"والروح وحدها، هي التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت، لأن من فقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوى بتأثير جاذبية الأرض".77

عوامل تجدد الحضارات

ويرى مالك بن نبي أن المشاكل التي تمر على الأمم لا تهزمها؛ بل تمحصها وتزيدها قوة. فيقول:"إن العواصف الجوية والأعاصير تجر معها غالبًا سيولًا هائلة من الماء، سيولًا تترك وراءها في البلد الذي تجتاحه الخراب والموت، ولكنها تترك أيضًا على وجه الأديم طميًا تتجدد به الحياة في هذا البلد، فتنشط وتنمو فيه الطبيعة الجديدة بأنواع النبات والحيوان المتجدد، فكذلك شأن الأحداث الكبرى في التاريخ إنها تجر وراءها الموت والخراب، وتخلف طميًا مخصبًا، طميًا من دماء الشهداء والأبطال، ولكنها تخلف أيضًا طميًا من نوع آخر تخلفه في العقول. حيث تترك بذورًا تنبعث منها الأفكار التي تغير مجرى التاريخ ووجه العالم".78

إنه يعني بالعواصف الهائلة والأعاصير - التي تجر معها سيولًا عظيمة من الماء - الأحداث الكبرى، والظروف الصعبة، والحروب والمواجهات والمشاكل. وكما أن السيول الهائلة تترك وراءها الخراب والموت، فإنها تترك الطمي الذي تتجدد به الحياة .

إن مالك بن نبي يرى هذا التحول الروحي، ويؤمن أن الأفكار التي تحل بالمجتمعات تولد معها حياة وأفكار ورؤى جديدة. ثم يرى أن على الإنسان أن يغير ما بنفسه ويأخذ بقانون التدافع79 حيث يوصله إلى قانون التداول80 ويصل إلى مقعد الصدارة.

وقفة مع التغيير

إن سنة التغيير مرهونة بتغيير ما في النفس. يقول تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} .81 ترى كيف نتعامل مع أنفسنا؟!

يرى البعض أن تغيير ما بالنفس هو العودة إلى العقيدة السليمة. و تصحيح العبادات وأدائها على النحو المطلوب. ولا شك أن كل هذا صحيح. لكن كثيرون يهملون بقية العوامل المكونة للنفس والتي قال تعالى عنها: {ما بأنفسهم} .

فالنفس فيها الأفكار والتصورات والمشاعر. فتغيير منهجيات التفكير مطلوب. والإيمان الشديد بوجوب التغيير مطلوب. والإحساس بالقدرة على التغيير مطلوب، والإرادة التي لا تقهر مطلوبة.

إنها منظومة كاملة بقدر ما تتغير في الإنسان بقدر ما يستطيع أن يخوض تجربة التغيير لنهضة المجتمعات. ويتعجب البعض!! لماذا رأينا أممًا كافرة تنتصر وتتقدم - مثل ألمانيا واليابان - وتنهض في زمن قياسي، ترى لماذا ينتصر أصحاب العقيدة الفاسدة في هذه العصور؟!

لكي نفهم إجابة هذا السؤال يجب أن ندرك أنه بقدر ما توافر لهذه الأمم من اكتمال في المنظومة التغييرية الداخلية النفسية؛ بقدر ما قامت حضارتها. فقد آمنوا بضرورة التغيير، ووثقوا بقدراتهم، وانطلقوا يشقون طرق الحضارة. واجتهدوا أيما اجتهاد. فأسسوا حضارة مادية مبهرة، نتيجة سعيهم وبذلهم. وبقدر ما أغفلوا من ناحية روحية - دينية أو قيمية - في منظومة تغييرهم الفردي. بقدر ما كانت حضاراتهم بعيدة عن صلتها بالسماء وعذوبة الروح.

وهذه الأمم لا تستطيع أن تتخلى عن الروح ، فالقوة الروحية تصنع طاقة هائلة ينجز بها أي فرد أحلامه. وكان إلهامهم الروحي عنصريًا في بعض الأحيان - مثل ألمانيا، إذ آمنوا أشد الإيمان بسمو جنسهم على سائر الأجناس. إنها قوة روحية في شكل آخر. تبعث القوة في معتنقها. إن القوى الروحية لها أشكال متعددة، ولكن أقواها هي القوة الروحية التي يبثها الدين في نفوس أتباعه. فشتان بين ما يمتلكه المسلمون من حرارة الروح المتصلة برب العزة سبحانه وتعال،ى وبين غيرها من القوى الروحية الأخرى.

إن قضية التغيير أكبر من أن تختصر في كلمة"تصحيح العقيدة"- رغم وجوب ذلك. إنها تشمل تغييرًا شاملًا. وبقدر ما سيحدث التغيير في النفس بقدر ما سينعكس على الحضارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت