فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 2255

فسنة الاستبدال لا تعني الإهلاك - وفقط - كما يعتقد البعض. فالاستبدال هو أن يأتي أقوام آخرون لا يجيدون لغة الانتظار، أو تبرير السكون، ليتسلموا الراية ممن قعدوا وتخاذلوا، واكتفوا بالتبشير بقدوم الإسلام. يقول تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين} 104. ويقول: {يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} 105.

إن الاستبدال هو عقوبة المتخلفين عن نصرة دين الله. الذين ينتظرون أن تمطر السماء نصرًا دون عناء، وأن تتغير الأوضاع بمرور السنين. ويا لها من عقوبة مؤلمة أن تُستبدل وأنت حي، فهي أمَّر بكثير

من أن تستبدل بموت أو هلاك. إنك حين ترى الآخرين تسلموا الراية وتحركوا على عين الله. تدرك مرارة الاستبدال. وحين ترى الآخرين هم الذين يصنعون الأحداث وأنت تشاهدها، تدرك معنى هذه العقوبة الربانية.

إن الكثيرين ينتظرون قطار التغيير حتى يركبوه، وهم يدعون أنه لم يأت. ولكنه يمر كل يوم، ويتحرك من أمام بيوتهم. ولكنهم لا زالوا في سكرتهم، يتخيلون أنه ليس هو القطار المطلوب. لأن ركابه ليسوا كثيرين.

إن النصر قادم لا محالة. وهذا لا يعنينا لأنه أمر تكفل به رب العزة. ولكن الذي يعني القائد هو أن يحدد دوره ليعرف موقعه من أنشودة النصر.

* ضرورة تماسك الجبهة الداخلية

ويدلنا القرآن على ضرورة ترابط الجبهة الداخلية . يقول تعالى: {واعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا} 106. ويقول: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.} 107 .فالاعتصام بحبل الله وعدم التنازع أمر في غاية الأهمية لتجنب الفشل.

* لابد من وجود الأخلاق العليا

فهناك قانون آخر متعلق بوجود الأخلاق العليا. وأولها العدل الذي جاء الرسل من أجله. يقول تعالى: {ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا} 108 ويقول: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} .109

إنها معادلة العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض. فالعدل هو الكلمة السواء الذي يقبل بها الناس. وكما أننا لا نقبل أن يكرهنا أحد على دينه، فإننا كذلك يجب ألا نكره أحد على الدخول في الدين، وكما أننا لا نقبل أن نُستذل، فيجب ألا نستذل أحدًا. هذا هو العدل. فما لا نقبل أن يفعله الغير معنا. يجب ألا نقبل أن نفعله مع غيرنا. وكل مجتمع يفتقد العدل - بظلمه للإنسان بشكل من الأشكال - فهو يؤسس لخرابه. تلك قاعدة كبيرة وقانون في غاية الأهمية. إذ الأمم تسقط عندما تتجاوز العدل.

تلك هي القواعد الكبرى التي أسس عليها المنهج القرآني قوانين الكون وقوانين النمو البشري كما استقرأها عماد الدين خليل وقد قمنا بالتصرف في بعض الجوانب.

التوظيف العملي

* لابد من الانطلاق رغم قلة الإمكانات. وفق تخطيط دقيق ومدروس. فكل نهضة بدأت بإمكانيات صفرية. وكلما تقدم المشروع خطوة، كلما زادت الموارد، وتدفقت الطاقات.

* لابد من أن يتم تغيير داخلي للنفوس داخل المجتمعات والمنظمات والأحزاب. يشمل الأفكار والمشاعر والسلوك. وكلما كان التغيير إيجابيًا، كلما تحولت الأمة للأفضل. وإذا كان التغيير للأسوأ تخلفت الأمة. إن التغيير لا يتعلق بأفراد فقط؛ بل ينطبق كذلك على المؤسسات والهيئات. فالله يتعالى يقول: {إن الله لا يغير ما بقوم} . فهي سنة مجتمعات وأقوام.

* إن انهيارات الأمم له أسبابه التي يجب أن تدرس. وكذلك انهيار - أو خفوت نجم - التنظيمات والمؤسسات والأحزاب.

* إن القمة عادة ما تكون هي السبب في الانهيار. بتفردها وسلطتها وما يصيبها من ترف. والقمة في كل شيء إما أن تكون سبب النجاح أو الفشل. وقيادات العاملين في النهضة إما أن يكونوا أسباب التقدم أو التراجع.

* إن القاعدة تشارك في سلسلة الانهيارات بسكوتها عن الحق. لذلك يجب كسر حاجز الصمت، والنصح للقيادات وتقديم المشورة.

* يجب تربية العاملين للنهضة على أن النصر منحة إلهية. بحيث لا يغتر أي عامل بإنجاز يحققه، فيحرم الأجر الإلهي.

* إن الهزيمة والفشل من عند أنفسنا. فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ونسبة الفشل إلى الله جريمة شنعاء. ويجب أن تسود في المؤسسات والتيارات العاملة للنهضة ثقافة المراجعة، والتقويم لمعرفة مواطن الخلل، وأسباب الفشل.

* إن التدافع سنة ماضية. ويجب أن تعد له قيادات النهضة. والقعود عن الإعداد ذنب عظيم. ومن يتصور أن النصر سيأتي بدون بذل وتدافع، فإن وهمه سيتحطم أمام مطارق الواقع والسنن الإلهية. ولابد من اختيار وسائل الإعداد لهذا التدافع، ووسائل التغيير التي سيتم استخدامها.110

* لابد من أن يهتم قادة النهضة بوجود الكم النوعي والعقول المبدعة، وألا تكون المجتمعات والأحزاب والمنظمات وسطًا طاردًا لهذه العقول. والتعويل على العدد الكبير من أنصار المشروع - فقط - أمر في غاية الخطورة.

* إن سنة الاستبدال ماضية، والذين سيتوقفون عن العمل لن يوقفوا حركة التاريخ. والمشروع الإسلامي منذ انطلاقه على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسلسلة من التيارات والفرق. كان لكل منها دوره التاريخي. ومن هذه التيارات ما خلد ذكره بعمله وبذله، ومنها ما نساه التاريخ بركونه وقعوده. فالمشروع ترثه طوائف ظاهرة على الحق. لن يتوقف بتوقف تيار أو قعوده. إن"جلوس الفرد في مكانه منتظرًا أن تصبح مشاكله جزء من الماضي ليس إلا كجلوس الفرد في موقف السيارات قائلًا لنفسه:"سأقود عندما تتحول جميع إشارات البلد للون الأخضر". وهذا يعني أن يظل قابعًا في مكانه إلى الأبد"111 .

* لابد من تماسك قوي بين العاملين للنهضة، وإلا جاء الفشل وذهبت الجهود أدراج الرياح. ولابد من إصلاح ذات البين. والبعد عن العبارات الاستعلائية بين التجمعات والتيارات المختلفة، والتي تمنع التعاون بكل أشكاله. ويجب أن يؤمن القادة أنه لن يستطيع تيار بمفرده أن يحيط مشروع النهضة من كل جوانبه بدون أن يتعاون مع سائر القوى التي تلتقي في الأهداف والرؤية. إن الوحدة والتماسك هي الضمان الأكيد لنجاح النهضة، وكل معطل لهذا التماسك يجب أن يزال سواءً كان فكريًا أو نفسيًا أو سلوكيًا.

* لابد من التربية على القيم الأخلاقية العليا، وتعزيز معاني العدل والمساواة، وحب العلم والإبداع والتضحية ، وغيرها من الصفات الإيجابية التي هي صمام الأمان لأي حضارة.

الخاتمة

كان هذا طواف سريع بين أعمال بعض المفكرين. وهناك الكثير من الأعمال التي يمكن الاستفادة منها لمفكري الأحزاب والتيارات المختلفة، وللمفكرين المستقلين. ولعلنا نتناول هذه الأعمال في بحث آخر بإذن الله.

وقد أردنا أن نزود القادة والعاملين للنهضة بأهم المداخل التي يحتاجونها في تكوين فكرة جيدة عن فلسفة التاريخ، لتساعدهم في بناء تصوراتهم وتضبط نظرتهم للواقع والمستقبل، وتعينهم في عملية اتخاذ القرارات.

وتسهم هذه المحاولة - لجمع بعض القوانين في مكان واحد - في تكوين التصورات الصحيحة لعملية التغيير عند القادة.

إننا أمام منظومات متعددة لما يمكن أن نسميه بفلسفة التاريخ. هذه المنظومات تساعدنا في العمل الذي نقوم به كقادة في الشرح، والبيان، والتبصير، واتخاذ القرارات حول ما يجب أن يكون عليه مسار النهضة في مجتمعاتنا الإسلامية. وللتعرف على مواطن الخلل، والتوقيت المناسب لحدوث التغيير، و دور الأقلية المبدعة، وما يجب أن يكون اتجاهها من احترام وتقدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت