وأخيرًا يحسن التنبيه إلى أن هؤلاء القساوسة تجيء إساءاتهم في مجامع مشهودة، أو منابر مبثوثة، في مناسبات مقصودة، فهم يعنون ما يقولون ويتعمدونه ويرتبونه فليست هي فلتات لسان من قبيل الفلتات التي تفضح من انطوى على عداء للإسلام ولرسول البشرية لا يظهره، بل العداوة معلنة صريحة يدعى لها، ولهذا جيري فاينز اختار الاجتماع السنوي في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري الأمريكية ليلقي طعوناته في نبينا _صلى الله عليه وسلم_، ولم يكتفي بذلك فقط بل قال: إن الله الذي يؤمن به المسلمون، ليس هو الرب الذي يؤمن به المسيحيون، وقال: 'لن يقوم الرب بتحويلك إلى إرهابي يحاول تفجير الناس و أخذ أرواحهم'، ومع ذلك يلقون تأييد الحزب الجمهوري، وينالون ثناء بوش، فمن الطبيعي بعدها أن يتأثر بهم الإعلام، الذي هم سلفًا جزء منه بمؤسساتهم الإعلامية النصرانية المتعددة.
ثالثًا: بيان صورة الإسلام لدى الغرب وأسبابها.
الكلام في هذا الجانب مؤلف من جزأين، الأول عن صورة الإسلام لدى الغرب، والثاني: أسباب تلك الصورة.
أما الجزء الأول فقد صدر كتاب بعنوان: (صورة الإسلام في الإعلام الغربي) ، لمؤلفه الدكتور محمد بشاري يرصد فيه الكيفية التي يتناول بها الإعلام الغربي قضايا الإسلام والمسلمين في ضوء الحملة المتصاعدة والتي تسعى لتشويه صورة العرب والمسلمين وهي الحملة التي تزايدت وتيرتها خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.
ولعله يحسن قبل أن أنقل كلام كاتب ينتمي إلى الإسلام أن أذكر نقولًا عن الطرف الآخر فأستشهد أولًا بما جاء في مقال للكتاب المعادي للإسلام بجدارة دانييل بايبس وقد جاء فيه ما نصه14:
"يومًا بعد يوم، تتغيّر نظرة الأمريكيين إلى الإسلام والمسلمين لتصبح أكثر سلبية -هذا ما جاء في استطلاعٍ مهمٍّ نشره [مركز پـيو للأبحاث] في الأسبوع الماضي [عام 2003م] ."
ربما كان التطوّر الأكثر إثارةً في الاستطلاع، هو ازدياد عدد الأمريكيين الذين يجدون بأن الإسلام -على الأرجح- دينٌ [يشجّع أتباعه على العنف] أكثر من الأديان الأخرى. ففي شهر مارس من سنة 2002 كان هناك خمسة وعشرون بالمئة من الذين استُطلِعت آراؤهم يؤيدون هذه النظرة. أما الآن، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 44 بالمئة.
هناك اتجاهات أخرى تتعلق بالإسلام تتّسم أيضًا بالسلبية:
• فيما يتعلق بالمسلمين الأمريكيين: 59 بالمئة من الذين استُطلعت آراؤهم في نوفمبر 2001 كانوا ينظرون إلى المسلمين الأمريكيين نظرة إيجابية. هذه النسبة هبطت إلى 54 بالمئة في مارس 2002 وهي الآن بحدود 51 بالمئة.
• فيما يتعلّق بمرشح رئاسة الجمهورية: أظهرت الاستطلاعات أنّ نفور الأمريكيين من فكرة التصويت لمرشحٍ مسلمٍ لرئاسة الجمهورية، هو أعظم من نفورهم من فكرة التصويت لمرشحٍ ينتمي إلى أي دينٍ آخر. 31 بالمئة من الأمريكيين يقولون"لا"لمرشح مسلم، مقابل 20 بالمئة بالنسبة لمرشح مسيحي إنجيلي، و 15 بالمئة لمرشح كاثوليكي و 14 بالمئة لمرشح يهودي.
• فيما يتعلق بالقيم المشتركة: جوابًا على سؤال فيما إذا كان"الدين الإسلامي ودينك يشتركان بأمور كثيرة متشابهة"، 31 بالمئة من الردود كانت إيجابية في نوفمبر 2001 ثم أصبحت 27 بالمئة في مارس 2002 بينما انحدرت في هذه السنة إلى 22 بالمئة"ا.هـ."
ولعل هذا يكفي.
أما ما يقوله المسلمون فأقتطف من كتاب محمد بشاري؛ (صورة الإسلام في الإعلام الغربي) بعض المقتطفات، ولم يحصل لي الاطلاع على الكتاب بيد أني قرأت تقريرًا عنه جاء فيه ملخص يصلح أن يثبت هنا، فمما قاله الملخص: إنه"في إطار تزايد موجة العداء للمسلمين في الإعلام الأوروبي يشير المؤلف إلى مجموعة من القضايا التي تعكس هذا التوجه ومن ذلك:"
-ملف قضية الفتيات المحجبات، فتحت عنوان: هل هو صراع حضاري أم ماذا؟ تناولت مجلة دير شبيغل بهذا العنوان المستفز القضية وعدتها صراعًا يتفجر من جديد، متسائلة عما إذا كان هذا الصراع يهدد المجتمع المسيحي أو العلماني؟
-أما في النمسا فإن الدنيا قامت ولم تقعد عندما تزوجت لوسيا دحلب السويسرية المسلمة من المواطن الجزائري علي دحلب، واعتنقت الإسلام وارتدت الحجاب، حيث انطلقت حملة إعلامية عنصرية ضدها في أثناء احتفال أقيم في المدرسة الابتدائية التي تدرس فيها لوسيا حضره الآباء وأولياء الأمور وبعض ممثلي أجهزة الإعلام المحلي. أما مجلة الاكسبريس فقد اختزلت موضوع الحجاب الإشكالي بعنوان: الحجاب المؤامرة.. كيف يتسلل الإسلاميون؟
ويحوي الموضوع مفردات تثير فزعًا واضحًا لدى القارئ الفرنسي ومنها الارخبيل الإسلامي، الجماعة الإسلامية المسلحة، تفشي الحجاب، والذي راحت كاتبة تصفه بأنه عملية إرهابية!
-أما بالنسبة لقضية المرأة فإزاء التناول غير المحايد للإعلام الغربي لهذه القضية إلى حد أن أصبح أول ما يتبادر إلى ذهن الإعلامي الفرنسي في أثناء تناول موضوع المرأة هو تعدد الزوجات المشروع في الإسلام والممنوع في الدستور الفرنسي.
وفي مقال بمجلة الاكسبرس مثلًا نقرأ تنديدًا شديدًا موجها إلى القادة السياسيين بسبب سماحهم بممارسات جاهلية قديمة مثل تعدد الزوجات، ختان البنات، الإسلام المتشدد، وحتى دروس تلقين اللغات الأصلية لأبناء الأقلية المسلمة والعربية.
-ثم ينتقل المؤلف إلى جانب آخر يتمثل في تشويه مفهوم الجهاد في الإعلام الغربي، ومن ذلك تأكيد البعض على أن الإسلام هو دين حرب. وأصبح يكفي أن تتم الإشارة في أي مقال لمصطلح الجهاد مقرونة بترجمة في اللغة الفرنسية «الحرب المقدسة» لكي تثار الزوابع والهواجس والمخاوف.
ولا يتطلب الأمر أن يكون هناك حدث ذو دلالة لكي يتم التخويف من الإسلام، وإنما أصبح ينظر إلى كل ما يتعلق بالمسلمين على أنه كذلك، ومن ذلك على سبيل المثال أن صحيفة لونوفيل أوبزرفاتير نشرت مقالًا عما وصفته بانفجار الحالة الإسلامية في فرنسا، فهناك في تلك [المدة] أكثر من ألف مسجد وأكثر من ستمئة جمعية إسلامية.
وهذا انفجار يعود إلى حوالي 17 سنة يطرح مشكلًا فريدًا على المجتمع الفرنسي. ويضيف صاحب المقال المذكور: إن تكرار العمليات الإرهابية واختطاف الرهائن تندرج ضمن استراتيجية مضادة للغرب، وذلك عبر تمرير خطاب الجهاد في معناه العدواني.
-ويجول المؤلف في الإعلام البريطاني ضمن جولته في الإعلام الأوروبي فيشير إلى أن الصورة لا تختلف كثيرًا عن طبيعة الصورة الموجودة في باقي الدول الأوروبية، والتي تصنف الإسلام بالدين البدائي والإرهابي وأنه الدين الذي يتعارض مع الحضارة والبديل عن الشيوعية وأيديولوجياتها خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
-وفي ذلك نشرت صحيفة صنداي تايمز مقالًا لكاتب يدعى بيير جرين دورتون بعنوان: الوجه القبيح للإسلام. قال فيه: إن الإسلام الذي كان حضارة عظيمة تستحق الحوار معها قد انحط وأصبح عدوًا بدائيًا لا يستحق إلاّ الإخضاع.
-ويقدم المؤلف في هذا الجزء عرضا للعناوين فقط والتي تستصرخ بداخل القارئ الفزع من الإسلام، مثل:
-المسلمون قادمون.
-الحروب الصليبية مستمرة.
-سيف الإسلام يعود من جديد.
-العالم يتحكم فيه بدو الصحراء وشيوخ [النفط] .
وما زالت هذه الحملات الإعلامية تظهر بين الفينة والأخرى مما يساهم بطبيعة الحال في تنميط صور مغلوطة تمامًا عن الإسلام بوصفه دينًا للكراهية والتعصب والعنف.