-ولعل أبلغ تعبير عن وضعية الإسلام في الإعلام والإدراك الغربي ظاهرة «الإسلاموفوبيا» وهي الكلمة التي دخلت قاموس السياسة الأوروبية وتحولت إلى مفردة لها معان محددة في عصرنا كما حصل في القرن التاسع عشر مع مفردة اللاسامية وتحت مفردة «الإسلاموفوبيا» وهي كلمة يقصد بها «الرِهَابُ الإسلامي» كمصطلح لمعنى الخوف من الإسلام بدأت تعقد المؤتمرات السياسية وتدار الندوات الفكرية لمعالجة مواضيع المخاوف من الإسلام وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
-ومن الصور التي يعرض لها المؤلف وتشير إلى الظلم البريطاني للإسلام والمسلمين نشر وسائل الإعلام هناك مزاعم وادعاءات تزعم فيها أن الثقافة الإسلامية مختلفة جملة وتفصيلا عن الثقافات الأخرى، كذلك تتضمن هذه الصورة الثانية انتقادا بريطانيا حادا للنظام الاجتماعي في الإسلام، والذي يعتمد بشكل أساسي على الأب الذي ينسب الأبناء إليه دون أمهم ويتولى مسؤولية الأسرة كاملة وغير ذلك.
-وإذا كانت هذه هي الصورة فيما قبل أحداث سبتمبر فلنا أن نتخيلها فيما بعد هذه الأحداث، فقد زاد معدل خضوع صورة الإسلام والمسلمين للتشويه والتحريف. وقد تفرعت أصناف تشويه صورة الإسلام والمسلمين ما بين التصريحات الأكاديمية والسياسية والإعلامية.
-واذا كانت الصورة التي ترسخها وسائل الإعلام مشوهة بسبب سيطرة اللوبيات الإعلامية اليهودية عليها أو بسبب وجود عقليات عنصرية متطرفة استغلت أحداث ستبمبر لكي تفرغ ذلك المكبوت من أجل تفعيل تشويه صورة الإسلام فقد كانت هذه الأحداث فرصة مواتية أيضا لبعض السياسيين الغربيين والدينيين لكي يمرروا خطاب العنصرية والاستعلاء.
فمن الدعوة إلى هدم الكعبة إلى وصف الإسلام بأنه دين شيطاني جديد على لسان القس البروتستانتي المعروف (فرانكلين غرام) إلى (بيرلسكوني) الذي راح يؤكد على أن الغرب يجب أن يثق في أن حضارته أرقى من الحضارة الإسلامية وهو يضع استراتيجيته لقمع ما وصفه بالإرهاب.. كلها تنويعات على تشويه صورة الإسلام.
-وهي مواقف تمتد لتصل إلى الكاتبة والصحافية الإيطالية (أوريانا فالاتشي) ، والتي راحت تؤكد رسالة لها على أن الغرب يعيش حربا صليبية بالفعل.. حرب يسمونها جهادا.. حرب لا تريد أن تغزو أراضينا بل أرواحنا، حرب تريد القضاء على خيراتنا وعلى حضارتنا!
-أما رئيس تحرير مجلة لوبوان الفرنسية فيقول في مقالة افتتاحية له بعد أحداث سبتمبر: إنه من ضمن الملاحظات العديدة التي نخرج بها من هذا الحدث هو أن الإرهاب المستشري أكثر في العالم اليوم يتعلق بالتطرف الإسلامي.
مضيفا إن الغرب يجهل القوة الصامتة للحركات الإسلامية وللمسلمين كافة؛ لأن هناك مليارا منهم في العالم وأنه حتى لو كان هذا المليار لا يساند الإرهاب فإنهم لا يعارضون الانخراط في أعمال الجهاد والحرب المقدسة.
-أما في بريطانيا فقد نشرت جريدة الصنداي تليغراف مقالا بعنوان «هذه الحرب ليس موضوعها الإرهاب بل الإسلام» ، أما الصحافة الأميركية فحسبما يشير المؤلف فقد أثبتت دراسة بشأنها أنها بدأت في الهجوم المباشر على الدين الإسلامي باعتباره دينا يحض على العنف والانتقام وكان هذا النمط من المعالجة الصحافية متوازيا مع الهجوم على المسلمين.
-كما لجأت الصحافة الأميركية والبريطانية إلى تخصيص مساحات واسعة لشخصيات ذات تأثير في المجتمع للإدلاء بشهادتها المعادية والداعمة للأهداف التي كانت تعمل من أجلها في هذه المرحلة وهو ما نراه مثلًا في أقوال (صامويل هنتنغتون) بأن المسلمين يشكلون 20 % من سكان العالم وهم وحدهم مسؤولون عن 80% من الصراعات والاضطرابات في عالم اليوم.
-أما في هولندا فقد نشرت مجلة «هاخسابوت» في متنصف أكتوبر مقالا دعا فيه كاتبه إلى مراجعة جذرية للوجود الإسلامي في هولندا وإلغاء مدارس المسلمين مضيفًا: إن الوقت حان للتاكد من إمكان التعايش مع الدين الإسلامي بوصفه دينًا يحترم القيم الديمقراطية للدولة الغربية والنظام الدستوري والقانون.
هذا بعض ما ذكره المؤلف، وأما التصريحات التي أعقبت حادث 11 سبتمبر فمشهورة من أبرزها تصريحات لأصحاب برامج مشهورة يرددون مثل هذه العبارات ومن هؤلاء:
-بني هن15 (Benny Hinn) الذي يقول:"هذه ليست حرب بين العرب واليهود، إنها حرب بين الله وبين الشيطان".
-وتقول آن كولتر (Ann Coulte صلى الله عليه وسلم ) في مقابلة أجرتها على قناة NBC عقب أحداث سبتمبر:"نحن يجب أن نجتاح بلدانهم، ونقتل قادتهم، ونحولهم لنصارى"16!
ولعل العرض السابق كاف في بيان الجانب الأول المتعلق بصورة الإسلام لدى الغرب.
أما الجانب الثاني، وهو: أسباب تلك الصورة، فقد كتب علاء بيومي مدير الشؤون العربية في كير مقالًا جديًا يوضح أحد أسس تلك الأسباب ولاسيما الخراجية منها، قال ما نصه:
(( يوضح ديفيد بلانكس ومايكل فراستو في مقدمة كتاب قاما بتحريره عن"رؤية الغرب للإسلام في العصور الوسطى"(1999) أن جذور رؤية الغرب الراهنة للإسلام والمسلمين تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي الذي شهد بداية الحروب الصليبية والمراحل الأولى لنشأة الهوية الغربية الحديثة.
ويقول الكاتبان: إن الأوربيين في تلك [المدة] كانوا محاصرين بحضارة أكثر قوة وتقدمًا، وهي الإسلام، وأنهم فشلوا في هزيمة هذه الحضارة خلال الحروب الصليبية كما رفضوا فهما، [لكن لديهم شعور] دائم بتهديدها الحضاري والديني لهم، لذا لعب الإسلام دورا أساسيا في تشكيل الهوية الأوربية ومن ثم الغربية الحديثة.
ويرى المؤلفان أن الإسلام لعب دور شبهاه"بنيجاتيف الصورة"في تشكيل رؤية الأوربي المسيحي المثالية لنفسه، إذ عمد الأوربيون إلى تشويه صورة منافسيهم (المسلمين) كأسلوب لتقوية صورتهم الذاتية عن أنفسهم، وبناء ثقتهم في مواجهة عدوا أكثر قوة وتحضرا.
وفي الكتاب نفسه يرى دانيال فيتكس [وهو أستاذ آداب بجامعة ولاية فلوريدا الأمريكية] أن نظرة الغرب الحديثة للإسلام ولدت في [المدة] كانت علاقة أوربا بالإسلام فيها هي علاقة خوف وقلق، مما دفع الأوربيين لتعريف الإسلام تعريفا"ضيقا كاريكاتوريا"كدين يملأه"العنف والشهوة"يقوم على"الجهاد العنيف"في الحياة الدنيا و"الملذات الحسية الموعودة"في الآخرة، كما نظروا للرسول محمد _صلى الله عليه وسلم_ على أحسن تقدير على أنه واحد من اثنين، إما"قس كاثوليكي فشل في الترقي في سلم البابوية"فقرر الثورة ضد المسيحية أو أنه"راعي جمال فقير تلقى تعليمه على يد راهب سوري"ليشكل دينا جديدا من"قشور العقيدتين المسيحية واليهودية".
كما نظر الأوربيون إلى حياة المسلمين الأخلاقية نظرة مزدوجة فمن ناحية نظروا إلى حجاب المرأة المسلمة كتعبير عن"السرية والقهر"والفصل بين الرجل والمرأة، وفي نفس الوقت نظروا للحجاب على أنه مصدر"فجور واستباحة أخلاقية مستترة"خلف الحواجز والأسوار.
وقد انتقلت هذه الصورة المشوهة - كما يري جون اسبزيتو - أستاذ دراسات الأديان والعلاقات الدولية بجامعة جورج تاون الأمريكية - في كتاب (التهديد الإسلامي: حقيقة أم أسطورة؟) (1992) - إلى بعض أهم قادة الإصلاح الفكري والديني في أوربا، وعلى رأسهم مارتن لوثر - زعيم حركة الإصلاح البروتستانتي - الذي نظر للإسلام على أنه"حركة عنيفة تخدم أعداء المسيح لا يمكن جلبها للمسيحية؛ لأنها مغلقة أمام المنطق، ولكن يمكن فقط مقاومتها بالسيف".
معرفة الإسلام للسيطرة عليه: