ومن أسباب ضعف دار الإفتاء هيكلتها الوظيفية، حيث جعلها الدستور اللبناني تابعة لمؤسسة الحكم، مما حرمها من استقلاليتها، ماليًا وإداريًا. وكذا سعي البعض إلى إضعاف سلطتها وحصر دورها بالعمل الرسمي والتقليدي، وتقديم الخدمات العامة التي تعود بالنفع على المسلمين، كالزكاة والمساعدات المالية للفقراء، وتبني قضايا أهالي المخطوفين والمعوقين.
أما المفتي السني ودار الفتوى فكانوا دائمًا موظفين رسميين لدى السلطة الحاكمة يسبحون بحمدها ويؤيدون مواقفها. ولم تلعب دار الافتاء دورًا يذكر في تحصيل حقوق المسلمين السنة بسبب عدم استقلاليتها المادية، وذلك بعكس القيادات الدينية كالمسيحيين والشيعة.
ولعل أبرز الشخصيات الدينية التي كان لها دور فاعل على الساحة المفتي"توفيق خالد"والمفتي"حسن خالد"الذي شعر المسلمون بعد استشهاده باليتم والضعف.
أما التنظيمات الدينية السنية في لبنان فإن أشهرها وأكثرها انتشارًا هي"الجماعة الإسلامية"، و"حزب التحرير الإسلامي".
كما أن هناك بعض المجموعات الإسلامية السنية المحلية التي تتمحور حول زعيم حي أو عائلة. كذلك فقد ظهر مؤخرًا ما يعرف ب"جند الشام"و"فتح الإسلام"و"عصبة الأنصار"، لكن نشاطهم اقتصر على المخيمات الفلسطينية حتى الآن.
ويمكن القول إن الظلم الذي طال أهل السنة لم يطل أية طائفة أخرى في لبنان، وقد تجلى هذا الظلم في نواح عدة:
1.تآمر الآخرين ضدهم وسعيهم لإضعافهم،
2.استهداف زعمائهم وقادتهم وعلمائهم بالإبادة والقتل. وأشهر هؤلاء"العلامة الشيخ الدكتور صبحي الصالح"الذي اغتيل عام 1986م. و"المفتي حسن خالد"1989م.، ومن رؤساء الوزراء"الرئيس رياض الصلح"الذي اغتيل سنة 1951م، و"الرئيس رشيد كرامي"الذي اغتيل سنة 1987م. وأخيرًا"الرئيس رفيق الحريري"الذي اغتيل عام 2005م.
وضع أهل السنة بعد مقتل الحريري
تولى الرئيس"رفيق الحريري"رئاسة الوزراء في الفترة من 1992 1998م وخلال الفترة 2000-2004م.. وقد مثل الحريري نموذجًا جديدًا للواقع السنّي، إذ إنه لم ينحدر من عائلة سياسية، بل إنه خرج من عالم الأعمال، وكان يتميز بالذكاء والعلاقات الواسعة والشخصية المميزة. وكان لدعمه تعليم حوالي 35000 طالب جامعي من اللبنانيين دور أساسي في كسب محبة اللبنانيين وتأييدهم حتى اليوم.
أسس الرئيس الحريري"تيار المستقبل"الذي ضمّ شخصيات من كل الطوائف اللبنانية، ولكن قاعدته السنيّة ظلت أساس تحركه. ولقد أدى صعود نجم الحريري إلى تراجع نفوذ العائلات التقليدية السنية مثل عائلات سلام وكرامي والصلح التي تميزت بتاريخ سياسي عريق.
وكذلك تراجعت قيادات سياسية مهمة مثل"الرئيس سليم الحص"الذي أطاحه الرئيس الحريري في انتخابات عام 2000م، لصالح الدكتورة النائب"غنوة جلول"، كذلك أطاح الحريري بالجماعات الدينية وعلى رأسها"الجماعة الإسلامية"التي فازت في انتخابات عام 1992م. بثلاثة مقاعد، ولم تفز إلا بمقعد واحد سنة 1996م. ينما لم تحصل على أي مقعد سنة 2000م..
وعلى الرغم من إمكاناته المادية الهائلة لم يحصل"الرئيس رفيق الحريري"، على التأييد الذي كان يرجوه من السنة عمومًا ومن أهل بيروت وصيدا خصوصًا، فصحيح أن الفضل يعود له في إعمار مدينة بيروت والوسط التجاري، الذي جعل منها معلمًا سياحيًا وتجاريًا مهمًا، يشبه أكبر معالم المدن الأوروبية، إلا أن بعض أهل السنة من أهل بيروت يعتقدون، بأنه ظلمهم عندما أخذ أراضيهم عنوة عبر شركة"السوليدير"التي أسسها لإعمار الوسط التجاري، وكان البدل الذي أخذه المسلمون ثمنًا لممتلكاتهم لا يتناسب مع حجم المشروع الهائل الذي كان يبنى على أراضيهم لصالحه وصالح بعض أغنياء لبنان.
إضافة إلى ذلك اتهم الرئيس الحريري بأنه أغرق البلد في ديون بلغت الخمسة والأربعين مليون دولار أمريكي، لايزال لبنان إلى اليوم يرزح تحت ثقلها وثقل فوائدها.
وبالرغم من ذلك فقد كان لاغتياله وقعًا عميقًا على الساحة اللبنانية. وقامت حالة من الالتفاف السياسي والشعبي حول"تيار المستقبل"وقيادته، خصوصًا لدى العديد من المجموعات والهيئات الإسلامية، مما جعله الفريق الأقوى على صعيد الواقع الإسلامي السني.
وقد ترجم ذلك عمليًا في نجاح تيار المستقبل بقيادة سعد رفيق الحريري وأنصاره وحلفائه في الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2005م.
وشكل اغتيال الرئيس الحريري ضربة قاسية لأهل السنة في لبنان، مازالت آثارها بادية إلى الآن. فالأزمة الحكومية الحالية واستقالة وزراء الشيعة إنما يرجعها أهل السنة ومن معهم إلى رفض هؤلاء قبول المحكمة الدولية التي يعتبرها بعض أهل السنة المفتاح الوحيد الذي يمكنهم من معرفة قتلة الرئيس"رفيق الحريري"، بينما يعتبرها الفريق الشيعي وبعض أهل السنة وسيلة للقضاء على حزب الله والتخلص من النظام السوري. فالمحكمة الدولية بالنسبة لسورية شبيهة ب"أسلحة الدمار الشامل""بالنسبة للعراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، والتي ما كانت إلا كذبة كبيرة تسلحت بها أمريكا من أجل احتلال العراق."
طوائف لبنان.. والمشي فوق الأشواك
شيعة لبنان ينتمون إلى المذهب الجعفري الاثني عشري وهو أقرب المذاهب إلى السنة .
دخل الشيعة إلى لبنان (أو"المتاولة"كما كان يسميهم أهل بلاد الشام حتى منتصف القرن العشرين، أي الموالين أو المتولين لأئمة أهل البيت) بعد الفتح الإسلامي، حيث قام معاوية باستقدام قوم من الفرس ليسكنوا بعض السواحل اللبنانية، كذلك انتشروا في كسروان والشوف والمتن ووادي التيم والبقاع، ثم تقلص وجودهم وانحصر معظمه في البقاع ومدينة بعلبك وبلدة عرقة في عكار، وكذلك في الجنوب، حيث توجد منطقة تعرف بجبل عامل نسبة إلى قبيلة عاملة اليمنية الأصل.
تعرض الشيعة لمضايقات السلطات الحاكمة عبر التاريخ بدءًا بالأمويين وانتهاء بالعثمانيين. وقد أدت المعاملة السيئة لهم إلى تحالفهم غالبًا مع غزاة الدولة الإسلامية مثل الفاطميين الشيعة والصليبيين والمغول؛ حيث كان لتعاونهم معهم أثره في سقوط الخلافة العباسية وتدمير بغداد عام 1258م/656ه. وفي إصدار ابن تيمية للفتوى القاضية بمحاربتهم.
كذلك تعرض شيعة الجنوب اللبناني إلى الاعتداءات"الاسرائيلية"منذ عام 1948م، وانقطعت علاقتهم التجارية مع فلسطين المحتلة بسبب ذلك. لهذا هاجر عدد كبير منهم إلى خارج لبنان، وخاصة إلى إفريقيا ودول الخليج العربي، مما سمح لبعضهم بجمع ثروات كبيرة ظهرت آثارها في القرى الجنوبية وفي بيروت. كذلك لجأ البعض منهم إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية. وقد بدأ عددهم يتزايد في داخل بيروت في السنوات الأخيرة، مما أثار المخاوف من تزايد المد الشيعي، ليس فقط في الأوساط المسيحية، ولكن أيضًا بين أهل السنة الذين يجدون يومًا بعد يوم تآكلًا في دورهم السياسي.
ينتمي الشيعة في لبنان إلى المذهب الجعفري الاثني عشري وهو أقرب المذاهب إلى السنة، مما يفسر هذه الوحدة في المرجعية الدينية بين هاتين الطائفتين التي كانت قائمة قبل أن يطالب الإمام موسى الصدر نواب الشيعة بتقديم مشروع إلى مجلس النواب يقضي بتأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على غرار سائر الطوائف.
مراحل تاريخية