يرى الشيعة أن النظام السياسي الطائفي الذي تشكل إثر استقلال لبنان في العام 1943م، حرم الطائفة الشيعية من الامتيازات السياسية التي كانت تتمتع بها باقي الطوائف وخاصة الطائفة المارونية، والطائفة السنية، الأمر الذي لم يكن يتناسب مع وزن الطائفة الديموجرافي آنذاك.
وقد مرت الزعامة الشيعية بعدة مراحل تاريخية حملت كثيرًا من التناقضات، بدءًا بالزعامة الإقطاعية وانتهاء بالزعامة الإسلامية، وهذه المراحل هي:
1-مرحلة الانتداب الفرنسي والاستقلال، والذي عانى أبناء الطائفة منه أشد معاناة نتيجة السياسة الفرنسية التي لم تكترث بهم من جهة، ونتيجة إهمال زعمائهم لقضاياهم ونموهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والانصراف إلى مصالحهم الشخصية والعائلية من جهة أخرى.
وكانت تتقاسم سيادة وزعامة الطائفة في تلك المرحلة بيوتات البكوات والباشاوات، مثل آل الأسعد وآل عسيران في الجنوب، وآل حمادة في البقاع، وغيرها من الزعامات التي عانى أبناء الطائفة من ظلمها واستبدادها.
ومن الروايات التي تروى حول معاناة أبناء الشيعة في تلك المرحلة ما حصل مع وفد من إحدى مناطق الجنوب عندما ذهب إلى"أحمد بك الأسعد"زعيم الطائفة آنذاك وفاتحوه بموضوع بناء مدرسة لمنطقتهم، فقال لهم جملته الشهيرة"ولماذا تتعلمون؟ كامل بك يتعلم... كفاية"وكامل بك هو نجل أحمد بك الذي سيصبح فيما بعد خليفة والده السياسي ورئيسًا لمجلس النواب اللبناني لعدة دورات.
2-مرحلة الخمسينيات تأثر وضع الطائفة في هذه المرحلة بظهور الأحزاب اليسارية اللبنانية، مثل الحزب الشيوعي اللبناني وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب القومي السوري الاجتماعي، وقد استغل أتباع هذه الأحزاب الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة لهذه الطائفة من أجل بث الأفكار الثورية الرافضة للهيمنة الإقطاعية، إلا أن تأثير هذه الفئة لم يستمر طويلًا بسبب الأساس الإلحادي لبعض هذه الأحزاب.
3-مرحلة الستينيات وهي المرحلة التي تولى فيها شؤون الطائفة عالم من علماء الشيعة الإيرانيين الشباب، وهو السيد موسى الصدر الذي ينتمي في جذوره إلى عائلة"شرف الدين"الشيعية الجنوبية اللبنانية، وقد وصل إلى لبنان بدعم من الشاه الإيراني عام 1959م، ومن رئيس الجمهورية فؤاد شهاب الذي منحه الجنسية اللبنانية مع صعوبة حصول هذا الأمر لغيره من الأجانب من المسلمين، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول دعم الموارنة للانقسام الذي حصل بين السنة والشيعة فيما بعد.
وقد اهتم هذا العالم الشاب بالشؤون الدينية والاجتماعية والسياسية لطائفته، فإضافة إلى دوره في طلب الاستقلال عن الطائفة السنية واختياره عام 1969م. كرئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي شكلته الحكومة، ووافق عليه مجلس النواب بالإجماع، وعمد أيضًا إلى تحسين وضع أبناء طائفته عبر تأسيس المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي ساهمت في رفع مستوى أبناء الطائفة، إضافة إلى دوره السياسي المهم في محاربة الإقطاع ورفضه الحرب ضد""إسرائيل""في بدء انطلاقته، فكان مما قاله في أحد تصريحاته"لسنا في حالة حرب مع"إسرائيل".. والعمل الفدائي يحرجنا"
وقد نجح"الإمام موسى الصدر"فى تعبئة الشيعة في إطار"عصبية طائفية"، مثل الطوائف الأخرى، وأوجد ما يسميه باحثون"الشيعية السياسية".
4-مرحلة السبعينيات أسس"السيد موسى الصدر"حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) عام 1975م، لتكون الجناح العسكري لحركة المحرومين (الشيعة) وللدفاع عن مصالحهم كمذهب متميز عن أهل السنة، وكان شعاره لهذه المرحلة"إسرائيل شر مطلق". وقد انتهت هذه المرحلة باختفاء"السيد موسى الصدر"في سنة 1978م، عندما كان في زيارة إلى ليبيا، وتقول ليبيا إنه غادرها إلى أوروبا، ويقول الشيعة حتى الآن إنه اختفى في ليبيا؛ بالرغم من صدور بيان عن القضاء الإيطالي في العام 2006م. يؤكد فيه أن الإمام موسى الصدر قد اختفى في إيطاليا وليس في ليبيا كما كان يعتقد.
استعانت هذه الحركة من أجل تدريب عناصرها بالمقاومة الفلسطينية وخاصة منظمة فتح، فدربت أبناءها وأمدتهم بالسلاح والذخيرة، إلا أن هذه العلاقات الطيبة لم تدم طويلًا بين الفريقين فتحول الأمر بينهما إلى عداء بعد الغزو"الإسرائيلي"عام 1982م، وخروج الفلسطينيين من لبنان. وشنت حركة أمل عام 1985م وبمعاونة الجيش السوري واللواء السادس من الجيش اللبناني، الذي كان منقسما آنذاك حربًا على المخيمات الفلسطينية في منطقة شاتيلا، وتم حصارها لمدة شهر كامل خرج بعدها الفلسطينيون ليشهدوا أطلال بيوتهم التي تهدم 90% منها و3100 بين قتيل وجريح و15 ألفًا من المهجرين؛ أي 40% من سكان المخيمات.
كما قام هذا الثلاثي بمحاصرة مخيم برج البراجنة ودكه طيلة عامي 1985- 1986م، مما دفع عددًا كبيرًا من سكانه إلى المغادرة باتجاه المخيمات الفلسطينية في الجنوب وباقي المناطق اللبنانية.
وقد لعبت حركة أمل دورًا بارزًا في الحياة السياسية اللبنانية ووصل قادتها إلى رئاسة المجلس النيابي، وأبرز هؤلاء الرئيس حسين الحسيني الذي خلف السيد موسى الصدر في رئاسة حركة أمل، والرئيس نبيه بري الذي استلم رئاسة مجلس قيادة أمل في أوائل سنة 1980م.
5-مرحلة الثمانينات حتى اغتيال الرئيس الحريري تميزت هذه الفترة بتقاسم التمثيل الشيعي السياسي بين حركة أمل وحزب الله الذي تأسس عام 1982م. منشقًا عن حركة أمل، على يد فئة من الشباب الشيعي ذوي الثقافة الشرعية والملتزمين بأوامر الولي الفقيه (الإمام آية الله العظمى الخميني) زعيم الثورة الإيرانية، والمرتبطين بالمرجعية الشرعية في"قم"في إيران التي تعتبر هي والنجف بمثابة المركز الديني والمرجعي للشيعة في العالم.
وقد حدد حزب الله أهدافه عند تأسيسه بخروج"إسرائيل"نهائيًا من لبنان كمقدمة لإزالتها من الوجود، وكذلك بخروج أمريكا وفرنسا من لبنان ورضوخ الكتائبيين والقوات اللبنانية المارونية للحكم العادل ومحاكمتهم على جرائمهم، وإتاحة المجال لأبناء الشعب لاختيار شكل نظام الحكم الذي يريدونه، وهم لا يخفون التزامهم بحكم الإسلام ويدعون الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة.
صراعات"أمل"وحزب الله
وقد وقع بين حركة أمل وحزب الله، صراع دموي في الفترة 1987-1988م. للسيطرة على قرار الطائفة، ولكن الصراع في حقيقته كان بين إيران (الداعم الرئيس لحزب الله) وسورية (النصير لأمل) ، وقد انتهى القتال بالاتفاق بين عاصمتي الدولتين الراعيتين، ونتج عنه أن أخضع حزب الله الضاحية الجنوبية لسيطرته التامة.
كان للإنجازات الكبيرة التي حققها"حزب الله"على صعيد مقاومة"إسرائيل"، دوره في التأييد والتعاطف الواسعين اللذين حظي بهما على الساحتين اللبنانية والعربية. ولكن هذا التأييد بدأ يخف بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، الذي ترافق مع طرح دولي ومحلي لمشروع نزع سلاح حزب الله، وتحويل الحزب من المقاومة إلى السياسة، الأمر الذي يرفضه الحزب بقوة، تحت حجة أن"إسرائيل""مازالت تحتل مزارع شبعا، وتعتقل عددًا من اللبنانيين في سجونها، فضلًا عن أن سلاح الحزب يعد رادعًا في وجه أي"عدوان إسرائيلي"، بحسب تصريحات مسؤوليه."